قرأت لك..

أنقر على الوصلة التالية للدخول إلى المدونة:

https://slimaneboussoufa.wordpress.com

الميثاق العقلاني (1/2)

GMT 22:00:00 2007 الإثنين 19 نوفمبر

<!– العفيف الأخضر –>العفيف الأخضر


(1): العقل كوني

“لا تضحك ولا تبكِ، بل افهم” (سبنيوزا)

1
العقلانية إذا عرفناها تعريفاً سالباً، أي بما ليس العقلانية، نقول هي نقيض اللامعقول. اللامعقول درجات أدناها العصاب الجماعي، الاعتقاد في ما لا يصدقه العقل، وأعلاها الهذيان. وهما سائدان في أرض الإسلام اليوم، في جميع الميادين تقريباً من الديني إلى السياسي. الهذيان اعتقاد راسخ في مفهوم مغلوط  للواقع يشكل عائقاً لفهم هذا الواقع كما هو. وهو سائد بقوة في الشارع العربي والإسلامي وأيضاً في مكاتب قطاع من المثقفين حتى ممن يقدمون أنفسهم بأنهم “ديمقراطيون وعقلانيون”.

2
إثر كل حدث سار أو فاجع، تنزل الجموع إلى الشارع في حالة هستيريا جماعية أو بارانويا جماعية. تجلى ذلك بقوة غداة احتلال صدام للكويت. الجموع والنخبة صفقوا معاً، في انصهار كامل، للقرار الهاذي الذي اتخذه صدام، كما اعترف هو نفسه، في المنام خلال حلم “صادق” رآه. الجموع وجدت شعرة في سورة البقرة، كأمارة إلهية على النصر الإلهي الآتي ضد التحالف الدولي. بعض الإسلاميين وجدوا أحاديث تتنبأ بالحدث. بعض المثقفين تعرفوا على صدام ومعجزته في شعر لابن عربي.د. برهان غليون نصحه في الأسبوع الأول للحرب بالصمود ثلاثة أسابيع-3 فقط لا غير- وبعدها سيحدث انقلاب عسكري في الاتحاد السوفيتي، الذي كان يحتضر، وسينضم الجيش الأحمر إلى جيش صدام… وتحصل المعجزة ! بعد بعض الوقت دخل غليون، ربما ببركة هذا التفكير الإستراتيجي العبقري، إلى السوربون كأستاذ ومدير لمعهدها الاستراتيجي! د. محمد عابد الجابري صفق للحدث ولصانع الحدث فكافأه صدام هو الآخر بوسام… وقعت الواقعة في العراق. لكن الجموع ذاتها والمثقفين إياهم واصلوا الهذيان للإنتفاضة الفلسطينية الثانية التي رأوا فيها ما رأوه في قرار صدام وأكثر… ولما هزمت الانتفاضة ، كما كان متوقعاً، لم يكتب ممجدوها أي نقد ذاتي… أما في الإسلام السياسي، فالهذيان السريري أعدل الأشياء قسمة بين قادته. الشيخ أحمد ياسين أفتى، اعتماداً على القرآن والتوارة، بنهاية دولة إسرائيل سنة 2027، أي بعد 40 عاماً من قيام الانتفاضة الأولي في 1987. الشيخ عبد السلام ياسين، رئيس أكبر تنظيم اسلامي في المملكة المغربية وبإمكانه كسب أية انتخابات، لو لم يكن يكفّر المشاركة فيها: “يزعم تلقي الوحي ومجالسة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، والاطلاع على اللوح المحفوظ، وعلم الغيب ورؤية الأرواح [أرواح الأطفال] في البرزخ”. (الأحداث المغربية 12/09/2007). بعض شيوخ الإسلام التقليدي لا يقلّون هذياناً عن شيوخ الإسلام السياسي: “رفض رجال الدين، قبل سنوات، مشروعاً اقترحته الحكومة السعودية لتنزيل الأمطار صناعياً بدعوى أن فيها تدخلاً في مشيئة الله (…) ولم تستكمل إحدى المشروعات السكنية في المنطقة الغربية بعدما اكتشف رجال الدين أن المراحيض تواجه القبلة في مكة” (الكاتب السعودي، خالد السعيد، الأحداث المغربية 4/06/2006). آية الله مصباحي، المرشد الروحي لرئيس الجمهورية الإسلامية أحمدى نجاد، يؤكد أنه على علاقة مع الإمام الغائب الذي”غاب” منذ 10 قرون! أحمدي نجاد نفسه بشر مواطنيه في التلفزيون بأنه يلتقى الإمام الغائب بانتظام ويصنع معه قراراته السياسية والعسكرية. بل إنه أقام مخبأً ذرياً وحيداً في إيران مخصصاً للإمام الغائب ليقود منه الحرب القادمة ضد أمريكا! هذه الوقائع الهاذية ، وهي غيض من فيض، مؤشر على أن العقل في أرض الإسلام في الدرجة صفر. لكن هذا لا ينبغي أن يكون مثبطا، بل يجب أن يكون حافزاً ليخوض العقل أكثر معاركه أهمية مع اللامعقول.
3
فما هو العقل؟ في العربية عقل مشتق من “عقل البعير” أي تحكم فيه، وفي اللاتينية مشتق من حسَبَ، أي قدّرَ سلفاً احتمال المكاسب والخسائر في أي مشروع قبل الإقدام عليه. العقل ليس الفكر السحري الذي يطلب من الواقع نتائج مخالفة لقوانينة، وهو نمط التفكير الشائع لدى الجموع وكثير من الإعلاميين والمثقفين في العالم العربي؛وليس الفكر الأسطوري الذي يستخدم التخييل الذي ينسب لأبطال واقعيين أو خرافيين قدرات استثنائية لصنع الأحداث؛ وليس الفكر الديني الذي يلغي الرابطة السببية بين الوقائع والأحداث معوضاً لها بضرورة التدخل الرباني في التاريخ: وما تشاؤون إلا أن يشاء الله. هذا تعريف العقل تعريفاً سالباً. تعريفه الايجابي: هو ملكة التفكير النقدي البرهاني. نقدي. لأنه يسأل ويسائل نفسه أيضاً ممارساً نقداً منتظماً للتأكيدات والأفكار والنظريات… معتبراً لها جميعاً مجرد فرضيات قابلة للدحض البرهاني وليست مسلمات مستغنية عن البرهان. مستخدماً، في اختزال الأفكار والنظريات إلى مجرد فرضيات مطروحة لنقاش. وظيفة الفكر النقدي هي مساءلة كل ما يقدم نفسه كحقيقة. والحقيقة ذاتها عنده ليست معطى ثابتاً بل سلسلة من الفرضيات التي نجحت في الاختبارات التجريبية التى مرت بها. كل فرضية تعدّلها فرضية أحدث منها وأوسع في تطبيقاتها من سالفتها. مثلاً فزياء أينشتين عوضت فزياء نيوتن لأنها استوعبت ما هو سديد فيها، وأضافت إليها حقولاً معرفية أخرى، لم تكن فزياء نيوتن تنطبق عليها. برهاني. لأنه يعتبر التأكيدات “والحقائق المطلقة” مجرد فرضيات عليها إثبات شرعيتها العقلانية. الانطلاق من أن المسلمات المزعومة مجرد نظريات، ضروري لنشاط العقلانية في الحقل الثقافي العربي الإسلامي المليء بالثوابت التي هي في الواقع أوهام ثابتة تستمد شرعيتها من سلطة النص، أي من مجرد الإيمان بها إيمان العجائز. لكن إيمان العجائز يصلح للعجائز فقط وليس لمن يبحثون عن فهم وتفسير عقلانيين للمشاكل التي تأخذ بخناق أمم وشعوب.

4
تعريف العقل بأنه ملكة النشاط النقدي البرهاني هو في الواقع تعريف لآثار العقل لا العقل ذاته. سبب ذلك واضح: لم تكن البيولوجيا قد تطورت بالقدر الذي يتيح للفلاسفة والعلماء تحديد مكان العقل. وهو ما أصبح اليوم ممكناً بفضل تقدم علوم البيولوجيا، التي تعلمنا أن عقل الإنسان هو دماغه المعرفي الموجود في قشرة الدماغ والمسؤول عن العمليات العقلانية المعقدة. هذا الدماغ المعرفي حديث لا يتجاوز عمره 150 ألف عام، وهو ينمو ويتطور – والتطور هو تطور الدماغ – بالتدريب. مثلما يوجد في الدماغ دماغان آخران، الدماغ المتوسط أو الانفعالي حيث تسكن العواطف والإنفعالات واللامعقول، ومكانه الفص الصدغي؛ والدماغ الغريزي المرتبط بالدماغ الإنفعالي وهو مركز الغرائز والغرائز العدوانية. كلما كان الدماغ المعرفي أكثر تطوراً ومرانا وخبرة كان أقدر على التحكم في هذين الدماغين المنتجين للامعقول. وبالمقابل، كلما كان قليل التطور والتمرن والخبرة طغي عليه لا معقول الدماغين الآخرين. أي طغى اللامعقول الديني والسياسي… إلخ على المعقول، الذي هو التفكير النقدي: من هنا أهمية تسليح الدماغ المعرفي بالتعليم العقلاني وبترجمة العلوم، قمة العقلانية، وترجمة الفكر النقدي الغربي والفرنسي على وجه أخص. لأن عقلانية فلسفة الأنوار تغلغلت في الثقافة الفرنسية أكثر من أية ثقافة غربية أخرى.

5
أصحاب جوقة اللامعقول الصاخبة ضد تقليد الغرب لم يفهموا شيئاً من جدلية العقلانية العلمية والتكنولوجية كما تحققت في التاريخ، لم يحدث قط أن مرت أمة إلى مرحلة الإبداع العلمي والتكنولوجي والفكري دون المرور بمرحلة تقليد العلم والتكنولوجيا الغربيين. الصين لم تحقق اليوم من التقدم الاقتصادي في عقدين ما حققته بريطانيا في قرنين إلا بفضل تقليد الغرب. وكذلك فعلت الهند و”النمور” الآسيوية. تماماً كما أن الطفل يتعلم بتقليد أبويه ومعلميه قبل أن ينتقل إلى مرحلة الاستقلال عنهما وربما التفوق عليهما. وكما أن الترجمة الجيدة هي فعل مشاركة في أبداع المؤلف، وبالمثل التقليد الحق للفكر والعلم الغربيين هو في الواقع مشاركة فعالة في الاكتشاف العلمي والتكنولوجي والابستيمولوجي والثقافي. وهذا اليوم، كما تشهد بذلك تجربة البلدان الصاعدة، ليس مجرد تقليد فردي، بل تقليد تقوم به مؤسسات للمؤسسات الغربية العلمية والتكنولوجية والسياسية والثقافية… تحريم تقليد الغرب هو عنصرية ضد الذات، هو انتحار!.

6
الاكتشاف البايولوجي للدماغ المعرفي بما هو موطن العقل وكل نشاط عقلاني معقد، تأكيد علمي لما صادرت عليه الفلسفة العقلانية منذ أفلاطون وأرسطو حتى الآن:العقل واحد عند جميع البشر. إذن كوني. أي أن معارفه البرهانية عابرة للقوميات والثقافات يسلم بها أو يفندها برهانياً كل ذي عقل سليم مهما كان موطنه أو ثقافته.
التفاوت بين العقول، أي بين الأدمغة المعرفية، حسب الانتماء الثقافي، تصنيف عنصري لم ينهض عليه دليل قط. من هنا غرابة مصطلح “العقل العربي” الذي جادت به قريحة د. محمد عابد الجابري في كتابه”العقل العربي”: “العقل كوني ومبادئه كلية وضرورية… نعم. ولكن فقط داخل ثقافة معينة وأنماط ثقافية متشابهة”، أي خاصة بإثنية ما أو ثقافة ما! هذا التعريف لـ”العقل العربي” تسميه الفلسفة تناقضاً في الحدود، مثل نار ولكن لا تحرق ! أي أن أحد الحدين ينفي ما يؤكده الحد الآخر. في قضية الحال”العقل كوني ومبادئه ضرورية” ينفي ما تؤكده خصوصية” ولكن في ثقافة معينة”! “العقل العربي كوني ومبادئه ضرورية ولكن- انتبهوا من فضلكم إلى لكن- بين العرب فقط لا غير”، والعقل اليهودي كوني ومبادئه ضرورية، ولكن بين اليهود فقط دون سواهم! إنه الهذيان الابستيمولوجي. لو كان لكل ثقافة عقلها الخاص بها لما تكونت العلوم الدقيقة، منتوج العقل بامتياز، التي هي نتيجة تفاهم عقلاني مشترك بين أعضاء المجموعة العلمية، عن بعد ، ولما أمكن الاتفاق بين جميع علماء العالم وعقلائه على حقيقة واحدة، ولما استطاع الجميع استخدام البراهين العقلانية نفسها، ولما توصل العلماء إلى اكتشاف حقائق علمية في نفس الوقت دونما اتفاق مسبق.وباختصار لما استطاعت الإنسانية المفكرة من جميع القارات والثقافات الوصول إلى المقدمات نفسها والنتائج والبراهين نفسها. تعددية العقول بتعددية الثقافات، كما يزعم الجابري، تترتب عليها نتائج ابيستيمولوجية كارثية: نفي وجود – أو إمكانية وجود- قوانين علمية كونية، ومعارف كونية. وهذا ما أدركه ابن رشد الذي كتب في”تلخيص ما بعد الطبيعة”: “أما العقل، فإن من شأنه أن ينتزع الصور من الهيولي [=المادة] ويتصورها مفردة على كنهها، وذلك من أمره بيّن؛ وبذلك صح أن يعقل ماهيات الأشياء؛ وإلا لم تكن ها هنا معارف أصلاً”.
فعلاً، في غياب كونية العقل العابر للثقافات تنتفي إمكانية المعارف الكونية وتدخل البشرية في برج بابل هاذ، حيث توجد من العقول والعلوم بقدر ما توجد من الثقافات والقوميات. وهذا ما يكذبه الواقع المعيش. ففي المملكة المغربية والصين يدرس الطالب الرياضيات نفسها والطب نفسه… إلخ. الفقهاء المسلمون تبنوا، في المعاملات، القانون الروماني، الذي تحول إلى عرف وعادة ، في مصر وبلاد الشام وشمال أفريقيا؛ بالمثل ترجم المتكلمون المسلمون “لوغوس” اليونانية بـ”علم الكلام” واقتبسوا المعجم المصطلحي لمنطق أرسطو؛ كذلك فعل الفلاسفة العرب والمسلمون الذين عربوا كثيراً من المصطلحات الفلسفية اليونانية ولم يترجموها.ولم يتعللوا، كما فعل الجابري، بخصوصيتهم الثقافية الإسلامية ليحرموا أنفسهم من تبني ما أنتجه العقل الكوني في روما وأثينا.
تقول لنا علوم الأعصاب أن جميع درجات العنف، من المنافسة إلى الحرب، انطبعت في دماغينا، الغريزي والانفعالي، منذ مليوني عام ومازالت منطبعة فيهما ، كطبيعة ثانية، حتى بعد ظهور الدماغ المعرفي الذي مازال يصارع للتحكم في لا معقول الدماغين العتيقين. انكار كونية الدماغ المعرفي تعني العودة إلى “حالة الطبيعة” و”التوحش” قبل ظهوره. وليس مصادفة أن النظريات العلمية، والأفكار التنويرية، والقيم الإنسانية العقلانية والنداءات إلى “السلام الدائم” العابرة للثقافات، كانت نتيجة الأحتكام إلى العقل الكوني ، وصدرت عن ذوي العقول السليمة من جميع الأمم والثقافات؛والحال أن أشد الحروب والمجازر فظاعة، وأكثر المجتمعات انغلاقاً وأكثر الثقافات عداء للعقل صنعتها شخصيات فصامية، سايكوباتية وبارانوايه هاذية. من الإسكندر “ذو القرنين” إلى بن لادن مروراً بنيرون، جنكيز خان، نابليون، هتلر، ستالين، بول بوت، خميني وصدام. هذا يعني أن هجوم الجنون في التاريخ، كما أسماه ريمون آرون، خطر داهم ودائم. مما يفرض على العقل الكوني، أعني المجتمع المدني العالمي والمجموعة الدولية، أن يبقى حذراً ويقظاً حتى لا يطوف عليه طائف الجنون الدموي. الدماغان الغريزي والانفعالي أو”القوة الغضبية” كما أسماها الفلاسفة العرب والمسلمون، تمرّسا بكل الآفات والأهواء العنيفة والمخاوف اللامعقولة طوال عمرها المديد وخاصة منذ اكتشاف السلاح الحجري والصيد. لذلك استطاعا استخدام الدماغ المعرفي الفتي والقليل الخبرة كأداة لتحقيق مكرهما والتذاذهما السادي بقسوة الإنسان على الإنسان، واستغلال الإنسان للإنسان واستمتاع الإنسان بالإنسان غلاباً واغتصاباً: “ما من رجل حللته إلا وهو يرغب في الإغتصاب “(فرويد). لكن العقل ليس اعزل أمام اللامعقول. إنه يستطيع، بالتعليم والإعلام العقلانيين، أن يتحكم في ميولنا الشريرة. تجربة التعليم والإعلام الأوربي تنهض شاهداً على ذلك:إقصاء التحريض على الكراهية والعنصرية والحرب من التعليم والإعلام، منذ نهاية المذبحة العالمية الثانية، أنتج في أقل من جيلين(40 عاماً)أجيالاً مسالمة تعادي الحروب بقوة غير مسبوقة في التاريخ. تجلى ذلك في الثمانينات، عندما أراد الحلف الأطلسي إقامة صواريخ برشينغ القادرة على استهداف الاتحاد السوفيتي، في المظاهرات الحاشدة التي رفعت شعار: “نفضل أن نكون حمراً [= تحت الإحتلال السوفيتي]على أن نكون أمواتاً”. وساندها الرأي العام الأوربي بقوة ، 60% من الفرنسيين أجابوا في إحدى الاستطلاعات، رداً على سؤال “ما هو واجب رئيس الجمهورية إذا احتل الاتحاد السوفيتي فرنسا؟”، “التفاوض مع المحتل” والحال أن السؤال المتلاعب يوحي لهم بجواب “أن يضغط على الزر الأزرق” لتطيير القنابل النووية إلى موسكو. بإمكان الحكم الصالح في أرض الإسلام، إذا وعى ضرورة إلغاء المناهج المدرسية التي تهيّج غريزة الموت في النشء والرغبة في القتل مثل تدريس العقوبات البدنية الشرعية، والجهاد وثقافة الإستشهاد وكراهية “اليهود والصليبيين والإجهاز على جريحهم”، وعداء المرأة والمواطن غير المسلم، والمواطن العلماني، والعقل وتحريم تدريس الفن وكل ما ينعش غرائز الحياة، و إذا وعى أيضاً ضرورة تعويضها بتدريس الأخلاق العلمانية الكونية، أخلاق حقوق الإنسان، والفلسفة والفن والموسيقى والرسم والنحت والرقص، فإنه سينجح خلال جيل في تكوين أجيال عقلانية تدرب دماغها المعرفي على النفور من العنف والإرهاب، وحب مواطنيهم ومعاصريهم بقطع النظر عن الجنس والدين، والإحتفاء بالعقل والفن وغرائز الحياة ، الترياق المثالي لغريزة الموت.
الدماغ المعرفي لم يشرع في التدرب على ألف باء التفكير المنطقي والحوار العقلاني إلا منذ 150 ألف سنة فقط. ولم ينجح في إقامة أول مسودة حضارة زراعية إلا منذ 10 آلاف عام. المغزى: إنه لازال في مقتبل العمر، وفي السيناريو المتفائل، مازال مستقبله أمامه، خاصة إذا غذته البشرية بتعليم وإعلام كالتعليم والإعلام الأوربيين المسالمين، وإذا لم يتصد له “العقل العربي” الإسلامي، الذي أضاع صوابه، بأسلحة الدمار الشامل لينحر وينتحر على غرار استشهاديي القاعدة وحماس.
في 2002، فندتُ أسطورة “العقل العربي”، فرد عليّ الجابري بصفحة كاملة في “الأحداث المغربية” بحوالي 5000 كلمة وقعها باسم “… معلم ابتدائي في قرية…” دون أن يعي أنه ارتكب، بتوقيعه المستعار، زلة قلم بالمعنى التحليلي النفسي: اعتراف لا شعوري باستصغاره لنفسه في قرارة نفسه!.

7
برنامج العقلانيين العرب، كم كنت أتمنى لو تسموا بـ”رابطةالعقلانيين في العالم العربي” لدعوة الأقليات للإنتماء إلى رابطتهم التى قد يوحى اسمها بـ”العقلانية العربية” على وزن “العقل العربي” إياه، لا يمكن إلا أن يكون الدعوة، من خلال الترجمة والكتابة، إلى الانفتاح على العقل الكوني وعلى ثقافة جميع الأمم واستثماراتها ومنتجاتها ومواطنيها وفلسفاتها وفنونها وآدابها وعلومها وتكنولوجياتها؛ ولايمكن لبرنامجهم، في مجتمعاتهم المتخلفة علمياً وتكنولوجياً وبالتالي عقلانياً، إلا أن يكون البحث الجاد لدفع نخب شعوبهم إلى وعي ضرورة التقدم إلى مجتمع المعلومات الذي هو مفتاح الدخول إلى عصر الثورة الصناعية الثالثة الموسومة بتطوير تكنولوجيا الاتصال والمعلومات التي ترمز لها الانترنت والتي تمثل البوتقة المثالية للعقلانية العلمية والتكنولوجية، إذن الشاملة.
العقلانية العلمية والتكنولوجية تجر الشعوب جراً إلى العلمانية. إذ أن العلم والتكنولولجيا لا يتساكنان مع طغيان المقدس على المجال العام. الفجوة الرقمية تشجع هجرة العقول إلى البلدان الصناعية وتفريغ بلداننا من نخبها العقلانية. لابد إذن من الدعوة الملحة إلى تعاون دولي لردم الفجوتين الرقمية والمعرفية بين الشمال والجنوب كرهان على إمكانية عالم يحكمه العقل.

8
استخلاصاً، أقول أن محور العقلانية هو الاحتكام إلى ملكة العقل النقدي في حل النزاعات والإشكالات بعيداً عن الحرب والفكر السحري والأسطوري والديني وسلطة النص.

9
الرهان هو صياغة خطاب عن اللامعقول، خاصة الديني لفهمه وتفسيره تحريراً للمعقول من أسره في أرض الإسلام حيث سيتعايش، أكبر الظن، المعقول واللامعقول طويلاً ويتصارعان طويلاً مادام الإسلام السياسي سواء أكان في الحكم، أم في المعارضة مصّراً على ممارسة الإرهاب ضد العقل، وما دام العقلانيون بدورهم مصرين على نشر مشروعهم التنويري دفاعاً عن العقل، بالتي هي أحسن، في أرض الإسلام التي مازالت منذ قرون تتعامل مع العقل بحد السيف، وأعواد المشانق وطلقات الرصاص: الفقيه العقلاني الجعد بن درهم ذبحه الوالي الأموي خالد القسري، الفيلسوف الإشراقي، السهروردي، أمر صلاح الدين ابنه، الملك العادل، فقتله سلخاً في حلب، العقلاني الديني محمد محمود طه شنقه حسن الترابي في الخرطوم، والعلماني فرج فوده سقط برصاص الإسلاميين في القاهرة، والتنويري نجيب محفوظ نجا من سكاكينهم بأعجوبة، وربما غداً، من يدري، يأتي الدور على كاتب هذه السطور الذي توعده راشد الغنوشي بالخطف من باريس و”الشنق في ساحة الباساج وإلى جانبه تلك الزنديقة الأخرى رجاء بن سلامة”!.

يجتمع العقلانيون العرب في باريس، في أول لقاء من 24 إلي27 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري لتأسيس رابطة العقلانيين العرب، وإعادة هيكلة موقعها “الأوان”، وقد استضافوا العفيف الأخضر لإلقاء هذه المداخلة في اجتماعهم.

 

الميثاق العقلاني (2/2): العقلانية الدينية

GMT 19:00:00 2007 الخميس 22 نوفمبر

<!– العفيف الأخضر –>العفيف الأخضر


أيها الغِرُّ قد خُصصت بعقل/ فاسألنه فكل عقل نبي (أبو العلاء المعري)

1
حللت في الحلقة الأولي ضرورة قيام العقلانية على كونية ووحدة العقل الضامنة للتقدم العلمي والتكنولوجي والابستيمولوجي والسياسي والأخلاقي أيضاً. عكساً لأطروحة د. الجابري عن تعددية العقول بتعددية الثقافات التي أقام عليها عمارة مشروعه الفلسفي”العقل العربي”. ألقيت الأضواء على تهافت هذه الأطروحة الفلسفي ولا معقولية النتائج الابستمولوجية والسياسية والأخلاقية الحاملة لها بالقوة. لو كان لنا من العقول بقدر ما لنا من الديانات واللغات (6000 لغة)، واللغة هي العمود

انظر: الحلقة الأولى

الفقري لكل هوية ثقافية، لإستحال منطقياً وجود علم عقلاني واحد، وأخلاق عقلانية واحدة، ونسق سياسي عقلاني واحد، وطريقة عقلانية واحدة، الحوار، لحل جميع النزاعات داخل كل أمة وبين جميع الأمم. والحال أن الواقع المعيش يشهد بعكس ذلك. العلم، منتوج العقل بامتياز، واحد في العالم كله؛وأخلاق حقوق الإنسان تعترف بشرعيتها العقلانية جميع الدول، وإن كانت لا تطبقها جميعاً بنفس المقدار، خاصة في أرض الإسلام حيث مازال الدماغان الغريزي والانفعالي لا يسلّمان- ولكن إلى متى؟- بمفهوم المواطنة الكاملة الذي يساوي بين الرجل والمرأة، والمسلم وغير المسلم، والمؤمن وغير المؤمن في حقوق المواطنة كافة كما تقضي بذلك عقلانية حقوق الإنسان؛ مبدأ شرعية الحوار العقلاني لحل النزاعات لا تنفيه أية دولة. ومنذ سقوط الاتحاد السوفيتي ُحلت نزاعات مزمنة بالحوار أوبفرض الحل العقلاني كما في البوسنة والهرسك بسبب العناد الهاذي لرئيس يوغسلافيا السابق ميلوزوفيتش. حتى النزاع العربي الإسرائيلي العويص، بسبب تدخل عنصر لاعقلاني فيه هو الدين، فهو اليوم يتقدم ببطء ولكن بيقين إلى الحل العقلاني: فلسطين التاريخية وطن للشعبين الإسرائيلي والفلسطيني. معظم قادة حماس تخلوا عن مادة ميثاقهم المطالبة بـ”تحرير فلسطين حتى آخر ذرة تراب”، لصالح دولة فلسطينية في الأرض المحتلة في حرب 67… شرعية النسق الديمقراطي العقلانية الكونية لا يجادل اليوم فيها عاقل، حتى الصين الشيوعية تعد بتطبيقها تدريجياً خلال عقدين. التقدم التدريجي إلى الديمقراطية ضروري فهي تاريخياً تطورت تدريجياً. وعندما تحاول الإرادوية معاكسة منطقها الداخلي تنفجر. الديمقراطية كنواة الذرة، بتكسير النواة نستخلص الطاقة النووية. إذا استخلصناها بفظاظة تحولت إلى قنبلة، وإذا استخلصناها تدريجياً تحولت إلى مفاعلات نووية سلمية. وكذلك الديمقراطية.

انكار واقع كونية ووحدة العقل يفترض منطقياً سقوط البشرية مجدداً في الهمجية : غياب علم واحد وأخلاق كونية واحدة، ونسق ديمقراطي واحد وطريقة واحدة لحل النزاعات وتالياً اندلاع حرب الجميع ضد الجميع في عالم سيفتقد الحد الأدنى من المعالم والقاسم المشترك العقلاني. وهذا لحسن الحظ ليس واقعاً ولا متوقعاً في السيناريو المتفائل الذي تراهن عليه الإنسانية المفكرة والإنسانية المتألمة. سأبرهن في هذه الحلقة الأخيرة من الميثاق العقلاني، باقتضاب شديد يقتضيه المقام، عن كونية العقل وتطبيقاته العقلانية في بعض القطاعات. سأركز على العقلانية الدينية لكونها أهم ما يفتقده الإسلام منذ القرن 12 م افتقاداً مأساوياً، ولأن غيابها شكل، ومازال، عائقاً جدياً لإصلاح الإسلام حتى يتكيف، مثل اليهودية والمسيحية، مع الحداثة بما هي فصل ضروري بين الديني والدنيوي في المجال العام، وإحلال للعقل البشري محل العقل الإلهي وللرابطة السياسية الديمقراطية، لوحدة الاجتماع البشري المعاصر، مكان الرابطة الدينية التي قامت عليها المجتمعات ما قبل الحديثة، ومازالت تقوم عليها وحدة جل المجتمعات المسلمة التي لم تشرع بعد في الفصل بين المؤمن والمواطن الذي يشكل الباراديغم المركزي للحداثة السياسية والذي من دونه تبقي الدولة ما تحت- دولة:مجرد كيان طائفي ملغوم باحتمالات الحروب الدينية ومعرض للنبذ الرمزي أو الفعلي من المجموعة الدولية التي لم تعد تقبل المساومة على الحد الأدنى من العقلانية السياسية الضروري لإستقرار كل بلد وللإستقرار العالمي بالنتيجة.

2

“لا يكفي أن يتمتع الإنسان بعقل سليم، بل الأهم هو أن يستخدمه استخداماً جيداً” (ديكارت). قلما إمتلكت النخب السياسية العربية، خاصة في المشرق، عقلاً سليماً لكي تستخدمه استخداماً جيداً في صناعة القرار السياسي الذي هو كل شيء في السياسة، بل في كل نشاط بشري مهما قل.
كيف ُيصنع القرار الواقعي العقلاني الذي هو القرار بألف ولام التعريف؟

فلسفة الأنوار في القرن الـ 18 بلورت المبادئ السياسية والقيمية للمجتمع الحديث. صانع القرارالفرنسي، غداة الثورة الفرنسية، التي قال عنها هيجل إنها كانت من صنع الفلسفة، صاغ تلك المبادئ في دستور وقوانين ملزمة. هذه جدلية العلاقة بين الفكر والسياسة : المفكر يقترح وصانع القرار يضع مقترحاته موضع التطبيق. غداة التفجيرات الإرهابية في الدار البيضاء، لاحظت لصانع القرار التربوي المغربي أن غياب الفلسفة، مصدر الفكر النقدي بامتياز، من المناهج التربوية الثانوية، جعل تلامذة وخريجي هذه المدارس فريسة سهلة لفتاوى الإرهاب التي لم يستطيعوا مساءلتها نقدياً. وفي 2004 أدخلت المملكة المغربية الفلسفة في السنوات النهائية الثلاث من التعليم الثانوي؛ في 2004 كتبت رسالة مفتوحة للرئيس بوتفليقة اقترحت عليه فيها إلغاء تدريس الشريعة من التعليم الثانوي. وفي 2005 ألغى تدريسها. يبدو أيضاً أن صانع القرار الليبي استجاب هو الآخر لمطلبي المركزي بإلغاء تدريس الجهاد وآيات السيف – وليس آية السيف كما يقول المفسرون-، وفعلاً فعل مشكوراً سنة 2006، إذ ألغى تدريس الجهاد وآيات السيف… غداة غزوتي نيويورك وواشنطن، طالبت صناع القرار في دول العالم بالضغط على صناع القرار التربوي في أرض الإسلام لتغيير المناهج الدراسية التي تغذي نقمة صغار المسلمين على الغرب… وبعد أشهر بدأت الدول الغربية تطالبهم بذلك… أخبرتني مديرة مدرسة ثانوية سعودية، أن يوم صدور مقال من كتابي عن نقد التعليم الديني الإسلامي في إيلاف كان “يوم عيد” عند المدرسين. هذا يؤكد توقعي، غداة الثورة الإسلامية في إيران، التي كانت أشد ظلامية ودموية بما لا يقاس من نظام الشاه، بإمكانية التأثير في الأنظمة القائمة التي أخذت الدرس من الزلزال الإيراني، فاتجهت إلى الحداثة كرد عقلاني على هجمة اللامعقول الديني-السياسي في أرض الإسلام.

الصناعة العقلانية للقرار اليوم لم تعد في البلدان المتقدمة من صنع الحاكم الفرد، الذي اختفى منها، بل من صنع المؤسسات، التي تعمل كطائرة من دون طيار. الكومبيوتر هو اليوم، في هذه الدول، المسؤول الأساسي عن صناعة القرار. سؤل الجنرال جياب:لا شك أنك لا تثق في الكومبيوتر الذي تنبأ في 1962 بهزيمتكم ؟ أجاب:كلا. نثق فيه. هو لم يخطئ، إنما البنتاغون هو الذي طرح عليه سؤالاً خاطئاً فرد عليه بجواب خاطئ :لو سأله متى سينهزم الجيش الأمريكي؟ لأجاب بدقة. لماذا غدت اليوم المؤسسات هي الوحيدة المؤهلة لصنع قرار واقعي عقلاني؟ لصعوبة صناعة القرار. لم يعد بإمكان فرد، ولو كان علاّمة، أن يحيط بكل شيء علما. اللامتوقع، في حقبة تسارع التاريخ، أكثر من القابل للتوقع، والمتغيرات أكثر من الثوابت. فقط المؤسسات المتخصصة المتضافرة والمستعينة بالكومبيوتر هي القادرة على تحديد المخاطر التي يمكن التحكم فيها وقادرة خاصة على تعريف-واعادة تعريف- المصلحة القومية تعريفاً صحيحاً. إذ القرار هو في خدمة هذه المصلحة حصراً. المعرفة العقلانية، هي نقيض الفطرة السليمة le bon sens والحدس و”الحلم الصادق”، لا تستطيع معرفة عناصرها الأساسية إلا المؤسسات المختصة في علم السياسة، والسسيولوجيا السياسية وعلم النفس السياسي وجميع المعارف الخاصة بموضوع القرار المطلوب. موازين القوة هي اليوم أكثر تشعباً من الماضي، وحدها المؤسسات تستطيع قراءتها بأقل هامش ممكن من الخطأ. بالمثل، وحدها المؤسسات هي التي تستطيع تعريف الواقعية السياسية التي لا سياسة من دونها. القرارات الإرادوية الهاذية كانت دائماً من صنع الحكم الفردي الذي يدعي معرفة المستقبل والقدرة على تحقيقه ولو بالقوة. وأخيراً المؤسسات هي التي تستطيع معرفة أن الاتجاه التاريخي العميق اليوم هو إلى الحكم الصالح:حكم وسط اليمين ووسط اليسار المتداولين عليه سلمياً ؛ حتى الصين وكوريا الشمالية، وإيران الاسلامية وسورية البعثية سيصلها جميعا هذا الاتجاه في المستقبل المنظور. مما يجعل مشروع أقصى اليمين في الغرب ومشروع نظيره عندنا، الإسلام السياسي، محكوماً عليهما بالفشل. إلا إذا استطاع هذا الأخير التراجع عن تطرفه بسرعة كما فعل الإسلام السياسي التركي الذي انتقل في لمح البصر من اليمين المتصلب المعادي للغرب وإسرائيل إلى وسط اليمين المتحالف مع الغرب وإسرائيل. لماذا كان الحكم الصالح هو حكم تداول وسط اليمين ووسط اليسار؟ لأن جناحي الطبقة الوسطي غير ميالين للمغامرة سواء بالسعى لإمتلاك أسلحة الدمار الشامل أوبالحرب أو بالتحالف مع الإرهاب، بل هما ميالان إلى المساومة والتفاوض والحوار في السياسة الداخلية والخارجية ومنفتحان على الحداثة والحداثة السياسية.

3
العقلانية السياسية هي تاريخياً حاضنة العقلانية الدينية التي هي بدورها وسطية. وليس مصادفة أنها لم تولد في أي بلد عربي إلا في تونس حيث الطبقة الوسطى تشكل ثلثي السكان، وهي الطبقة السائدة سياسياً وثقافياً، والـ9000 جمعية التي تشّكل المجتمع المدني التونسي منها أيضاًَ.
 نحمل جميعاً، كما يقول النفساني، فليكس غواتاري، ميكروفاشية متأصلة في شخصياتنا النفسية العميقة تدفعنا لا شعورياً إلى البحث عن الاستمتاع السادي بالتسلط على الآخر. التربية الإسلامية السائدة الهاذية تغذي فينا هذا الميل منذ نعومة أظفارنا، بحشو جماجمنا وغسل أدمغتنا بقوامية الرجل على المرأة وضربها وهجرها في المضجع، واعتبارها نصف رجل في الشهادة والميراث والدّية، وصفر- رجل في حقوق المواطنة، كما يعلمنا حديث بأن النساء “أخوات يوسف” إشارة إلى المكيدة التخييليه التي دبرتها زوجة فرعون ليوسف، ويوصينا حديث آخربـ”شاوروهن وخالفوهن” ربما لأن الشيطان ينطق بأفواههن فإذا عملنا بعكس نصيحتهن نجونا من كيده وكيدهن. هذا على الأقل ما كان يقوله لنا شيخ الحديث في الزيتونة مصطفى القمودي! كما تشحننا التربية إياها باحتقار المواطن غير المسلم الذي عليه أن يؤدي الجزية و”هو صاغر”، وككافر ديته نصف دية المسلم. نقرأ في كتاب “تباريح الشباب” للعلماني المصرى اسماعيل مظهر، مدير مجلة “العصور” أن العقود بين المسلم والمسيحي في مصر في الثلاثينات كانت تكتب هكذا:”باع الهالك بن الهالك جوزيف إلى المكرّم بن ساكن الجنان محمد… “، تدرسنا أيضاً العقوبات البدنية الشرعية، والتي هي دعوة صارخة إلى ممارسة ساديتنا وميكروفاشيتنا على ضحية الشريعة على أبشع صورة : جلد شارب الخمر، قطع يد السارق، رجم الزاني والزانية ودق عنق المرتد… فضلاً عن العقوبات التعزيرية التي لا تقل وحشية؛وتدرسنا الجهاد، جهاد الدفع[= الدفاعي] وجهاد الطلب [= الهجومي] : أوصى مرشد الإخوان المسلمين السابق مصطفى مشهور، الشباب المسلم بالإستعداد للجهاد، دفعاً وطلباً:”أجمع أهل العلم مجتهدين ومقلدين، سلفيين وخلفيين، على أن الجهاد [= جهاد الطلب]فرض كفاية على الأمة الإسلامية [= إذا قام به بعض المسلمين سقط عن الباقين] لنشر الدعوة، وفرض عين [= جهاد الدفع] لدفع هجوم الكفار عليها”. (مصطفى مشهور، الجهاد هو السبيل، مطبوعات الاتحاد الإسلامي الطلابي، الطبيعة الثانية ص 19). هذا التحريض على غزو الشعوب الأخرى مازال يدرسه التلميذ والطالب في 98 % من المدارس والجامعات الإسلامية !.

العقلانية الدينية لن تقوم إلا على أنقاض هذا اللامعقول الذي تلقنه للناشئة هذه المدرسة السلفية التي ينزّ الدم من أفواه مدرسيها والتي مازال يعامل غالباً فيها المسيحيون كأهل ذمة :”المناهج في الجامعات تدرس ضد الكتاب المقدس ويلزم الطالب المسيحي بالإمتحان فيها ويجبر على الإجابة عن سؤال يهاجم عقيدته” (الأنبا بشوي، وطني، 7/11/2006) ! فما هي العقلانية الدينية المأمولة؟ هي التي لا تقيل من الدين، خاصة في المعاملات، إلا ما كان متفقاً مع العقل. المعتزلة سبحوا ضد التيار فوضعوا المسودة الأولى للعقلانية الدينية إذ أخضعوا-عكس ما كان سائداً لدى المدارس السنية- النقل للعقل، والحال أن الوحدة الفكرية للقرون الوسطى كانت إخضاع العقل للنقل:توظيف أرسطو في خدمة الكنيسة. لخص ابن رشد رأي المعتزلة:”إن الله أعطانا عقولاً ولا يمكن أن يعطينا شرائع مخالفة لها” إذن إذا تعارضت الشريعة مع العقل أُولت الشريعة لصالح العقل، ووضعوا، بمبدأ “التحسين والتقبيح العقليين”، حجر الأساس في عمارة الأخلاق العقلانية، أخلاق حقوق الإنسان، التي لا تأخذ في الإعتبار قيمتي الحلال والحرام الفقهيين، بل تنطلق مما حسنه العقل ومما قبحه العقل، كمنطلق عقلاني لأخلاق إنسانية. لكن لا يمكن بعد عشرة قرون أن نتسمّر حيث وقف المعتزلة، إذ بذلك نتجاهل كل ما قدمته علوم الأديان الحديثة للبشرية من إمكانية فهم عقلاني للظاهرة الدينية تحرر العقل البشري راديكالياً من التبعية للعقل الإلهي، واضعة الدين في مكانه الطبيعي كخيار شخصي حصراً. وأكثر من ذلك للفرد مطلق الحرية في أن ينتقي من دينه ما يشاء ويدع ما يشاء. لأنه فرد. والفرد يختار قيمه بنفسه ويقرر مصيره في حياته اليومية بحرية. بدأت الكنيسة الغربية تتكيف مع هذا الفاعل الجديد في التاريخ : الفرد. ولا تجادل-أو لا تجادل كثيراً- في خياراته. هذه الانعطافة التاريخية في ذهنية الفرد المسيحي المتدين هي ما حلله السوسيولوغ شيلجل في كتابه “الدين كقائمة طعام مطعم” la religion à la carte
أي أن الفرد الحر المتدين يعتبر واجباته الدينية كوجبات في مطعم، ينتقي منها ما لذ له وطاب ويدع الباقي. هذا الفرد السيد غائب بمأساوية في الإسلام. لقد محته القبيلة محواً ثم أجهزت عليه الأمة، والأمة كلمة عبرية تعني القبيلة. لا وجود لحد الردة في القرآن الذي أباح للمسلم الردة “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”التي فسرها محمد عبده بـ”من شاء أن يدخل فيه [الإسلام]فليدخل، ومن شاء أن يخرج منه فليخرج”. لكن الفقهاء، استجابة لا شعورية للذهنية القبلية المعادية للفرد، أقروا بالإجماع حد الردة الذي استعاروه من سفر التثنية، بناء على حديث آحاد. حتى الشافعي الذي يرفض نسخ القرآن بحديث الآحاد قبل نسخ الآية بهذا الحديث!.
ينبغي للعقلانية الإسلامية أن تنطلق من حق الفرد في الحرية الدينية وفي حرية الاعتقاد اللتين أقرهما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وأقرهما البرلمان التركي باقتراح من حكومة أوردغان حيث غدا المسلم، لأول مرة في تاريخ الإسلام، يستطيع تغيير دينه دستورياً، كما ألغت حكومة “حزب العدالة والتنمية” الإسلامي التركي عقوبتي الزنا والإعدام بطلب من الاتحاد الأوربي. وهذا برهان على الدور التحديثي الذي تلعبه الشراكة الأوربية مع البلدان الإسلامية. الاعتراف بحرية الفرد يعني تحرير المجتمع كله من الرابطة الدينية-العشائرية القديمة كأسمنت لضمان وحدته العضوية- الدينية، وتعويضها برابطة المواطنة العقلانية التي توحد المواطنين فيما بينهم، وبرابطة العقد الاجتماعي الذي يوحد المواطنين بالدولة.
هذا الفرد المتحرر من الرابطة الدينية- العشائرية هو الذي سيشكل مصدر التجديد الديني، والفكري، والعلمي والتكنولوجي والسلوكي في مجتمع الأفراد الأحرار المرتبطين بحكوماتهم بعقد اجتماعي حصراً.
تحرير الفرد في أرض الإسلام من الروابط العضوية- الدينية يتطلب حكماً تحرير البحث العلمي والفكري والفلسفي وتحرير الإبداع الأدبي والفني من وصاية المؤسسات الدينية وسيف الفتاوى الدموية المسلط على رقاب الباحثين والمبدعين. مثل هذا الإجراء يندرج في منطق ثورة الاتصالات الواعدة بتغيير الأسلوب الشائع في التفكير، وأسلوب الحياة وتطوير وتقريب الهويات من بعضها البعض، وتنميطها في هوية عالمية، الفرد هو الفاعل الأساسي فيها. أستاذ بالكوليج دو فرنس في سوسيولوجيا الأديان توقع أن يؤدي تلاقح الهويات وتهجينها إلى ظهور دين انتقائي عالمي واحد…

4
تحرير البحث العلمي يفترض شرطين: الانتهاء من أسطورة ان القرآن موسوعة علمية، والفصل الحاسم بين إسلام الإيمان وإسلام التاريخ.
اعتبار القرآن موسوعة علمية والترويج لخرافة الإعجاز العلمي في القرآن شكلا معاً عائقاً دينياً مخيفاً للبحث العلمي الحر- والذي لا يمكن إلا أن يكون حراً من وصاية الدين والدولة وإلا مات في المهد -. أصدر الأزهر سنة 2000 قراراً بتوقيع شيخه يحرم نشر أي كتاب عن نظرية التطور، ونظرية التطور لا تدرس في مدارس دول الجامعة العربية. البيولوجيا التطورية تدرس في كليات الطب بمصر، لكن الأساتذة الإسلاميين، وهم الغالبية، يوصون طلبتهم “اعرفوها للإمتحان فقط… إنها غلط في غلط”.

ما العمل؟
المطالبة بتدريس ذات البرامج التي يدرسها تلامذة التعليم الثانوي وطلبة الجامعات في العالم لوضع حد للإستثناء “العربي الإسلامي”، الذي هو عنصرية ضد الذات. إيقاف مهزلة مؤتمرات “الإعجاز العلمي في القرآن” واضطلاع الأطباء والجغرافيين والفيزيائيين بتشريح آيات العلم التي اعترف الشاطبي بأنها غير علمية:”لأن الله، كما قال، خاطب العرب على قدر عقولهم”وأيده محمد الطاهر بن عاشور، صاحب تفسير التحرير والتنوير، في هذا الرأي. وقد سبق لبنت الشاطئ أن كتبت “في القرآن أخطاء تاريخية ولكنه ليس كتاب تاريخ، هو كتاب روحي فقط، فهل فيه خطأ روحي واحد؟”… في المؤسسة التعليمية العالمية يدرس المتعلم أن الكتب المقدسة ليست مصدراً للتاريخ، لكن في مدارسنا وجامعاتنا مازال القرآن مصدراً للتاريخ!.
الحداثة فصل : الفصل بين السلطات، الفصل بين المجال العام والمجال الخاص، الفصل بين الدين والدولة وأخيراً وليس آخراً الفصل بين دين الإيمان ودين التاريخ. منذ القرن 17 بدأ مسار الفصل بين دين الإيمان ودين التاريخ. أما اليوم فدين التاريخ علم مستقل له كتبه ومنهجيته وأخصائيوه بعضهم ذووا شهرة عالمية. مثلاً مسيحية الإيمان من اختصاص رجال الدين في علاقتهم بالمؤمنين. أما مسيحية التاريخ فاختصاص آخر يقاربه أهله بعلوم الأديان المرصودة لفهم الظاهرة الدينية في تجلياتها وسياقاتها التاريخية بعيداً عن المعجزات وسلطة النص اللذين أصبحا هما أيضاً موضوعاً يدرسه العلم. شرعية مسيحية التاريخ العقلانية فرضت نفسها على الجميع بما في ذلك الأنتلجانسيا المسيحية المؤمنة. حتى البابا بنوا 16 استعان في كتابه المهم، بل الفائق الأهمية في نظري، “يسوع الناصرة” بعناصر مهمة من مسيح التاريخ ودمجها في يسوع الإيمان. فمتى يكتب شيخ الأزهر كتاباً عن محمد الإيمان مستعيناً ببعض حقائق محمد التاريخ؟ ذلك اليوم ليس ببعيد. ردُّ تحدى الإرهاب الديني يفرض على صنّاع القرار التربوي إعادة هيكلة المناهج لمقاربة الإسلام بجميع علوم الأديان بدلاً من الطريقة الحالية العقيمة: تدريس الدين بالدين، وأيضاً تجديد طرق التدريس وإعادة تكوين المدرسين لتأهيلهم للإضطلاع بمهامهم الجديدة. الإهتمام بجودة المدرسين المهنية والأخلاقية حاسم. بعض مدرسي الفلسفة في المملكة المغربية، من ذوي الهوى الإسلامي على الأرجح، لا يدرسون لتلامذتهم الفلسفة بل يكفرونها ويحذرونهم منها: بعضهم يقول لهم إن مؤسس الفلسفة، سقراط، كان لوطياً، فإذا درستم الفلسفة فستنتقل لكم عدواه!

تعميم الفلسفة على جميع مستويات التعليم الإعدادي والثانوي ضروري ضرورة تدريسها للأطفال أيضاً. صدرت في فرنسا سلسلة قصص فلسفية مرصودة للأطفال ابتداء من الفئة العمرية 8 سنوات. لماذا لا تُترجم وُتدرج في المناهج المدرسية؟ تدريس حقوق الطفل والإعلان العالمي لحقوق الإنسان-كما في تونس والمغرب- واتفاقية منع التمييز ضد المرأة وحماية الأقليات وحرياتها الدينية، ضروري بالدرجة ذاتها لتخصيب وعي الناشئة بالقيم العقلانية الكونية وإعدادهم للإندماج القيمي الضروري في عصرهم. مهد العقلانية الدينية هو المدرسة العقلانية الدينية، النقيض المباشر للمدرسة الحالية ولا معقولها الديني الهاذي ! لماذا لا ندرس علوم الأديان في الإعدادي والثانوي والعالي؟ أقترح ترجمة وتدريس كتاب المستشرق دوبريمار”في أصول القرآن” الذي يساعد على قراءة تاريخية-نقدية للنص الإسلامي المؤسس.
ميلاد العقلانية الإسلامية مشروط بتعويض القراءة الحرفية السائدة المنتجة للتعصب والإرهاب بقراءات أخرى منفتحة على المعقول مثل القراءة التأويلية، والقراءة المقاصدية وخاصة القراءة التاريخية، براءة الاختراع تعود للجابري، التي تنزل النص في التاريخ فتنسخ ما لم يعد متكيفاً مع المستجدات أو المصلحة. مارس القرآن هذه القراءة بالناسخ والمنسوخ(بين 500 و800 آية)، ونسخ أبو بكر وعمر ومعاذ وعلي، ونسخ الفقهاء، ونسخ الطاهر الحداد تعدد الزوجات والتمييز بين الذكر والأنثى في الميراث، ونسخ المؤرخ التونسي الإسلامي، محمد الطالبي، آية ضرب المرأة كما نسخها أيضاً جمال البنا. أما حسن الترابي فقد نسخ 5 آيات على الأقل منها آيتي التفاوت بين الذكر والأنثي في الشهادة والميراث… هذا النسخ الظرفي وبالقطارة قليل الجدوى ما لم يندرج في مبدأ أصولي ناسخ: كلما تعارضت النصوص الدينية مع العقل أو المصلحة أوالقيم الكونية أو القانون الدولي تنسخ حكماً. إقرار تدريس هذا المبدأ سيشكل طفرة للعقلانية الدينية في العالم العربي بإزاحة عائق تعارض الحداثة مع النص. وهي كلها متعارضة معه، وخاصة مع ظاهر النص وقراءته الحرفية.

العقلانية الدينية لن تولد من الحمل دون دنس. بل لابد لها من تخصيب صناعي في عدد من المخابر. الترجمة لا تقل أهمية عن المدرسة، ولا الإعلام يقلّ أهمية عن عقلنة الخطاب الديني. الحضارة العربية الإسلامية حضارة نص لم تعرف العقل إلا كزائر ثقيل. العائق الأول أمام ترجمة العقلانية الدينية الغربية، خاصة الدراسات الاستشراقية عن نبي الإسلام وعن القرآن والحديث والإسلام، هو عدم نضج الشخصية الجمعية الإسلامية لإستقبال نقد الغير لها بصدر رحب، وممارسة نقدها الذاتي بشجاعة. كتاب فولتير عن “محمد أو التعصب” لم يترجم بعد، وسير المستشرقين الألمان عنه، (4 على الأقل)، لم تترجم هي الأخرى. وعشرات الكتب الإستشراقية تنتظر الترجمة بينها كتاب مهم، لأنه مثير للجدل وما أحوجنا للجدل العلمي في الدين للخروج من السبات الشتوي الديني. هو كتاب المستشرق الفرنسي جاليه:”المهدي المنتظر ونبيه:عودة إلى أصول الإسلام”. الترجمة كانت صك ولادة الحضارة العربية الإسلامية. أول فيلسوف عربي، الكندي، كان مترجماً. العالم العربي يترجم 300 كتاب كل عام لحوالي 300 مليون نسمة، وإسرائيل تترجم 10000 كتاب سنوياً لـ 6 ملايين إسرائيلي !. الترجمة ليست ضرورية لإغناء وتحديث الثقافة العربية وحسب، بل وأيضاً ضرورية كجسر للحوار مع الغير :مع الغرب. كراهية الغرب بما هو غرب، وكراهية حضارته “اليهودية المسيحية” فعل عنصري ولا معقول بامتياز. الغرب اليوم هو غرب العلم والتكنولوجيا والثورة الثقافية الدائمة، غرب المعارف والفنون، غرب الاقتصاد الديناميكي، غرب الإعلام المهني، غرب حقوق الإنسان والديمقراطية. وبإختصار، غرب الحضارة في عالم تهدده الهمجية. هذا الغرب يستطيع اليوم مساعدتنا للخروج ظافرين من أزمة الحداثة التي نمر بها. الترجمة اليوم لم تعد مبادرات فردية، بل غدت إختصاصاً مؤسساتياً. معجم لاروس، ألفه بيار لاروس وحده في القرن التاسع عشر، وبعد حوالي قرن من وفاته شارك في سبعينات القرن الماضي، ألف معجمي في مراجعته.
بيل جيتس، أغنى أعنياء العالم، تبرع بـ 95 % من ثروته للعمل الخيري ؛ ألا يوجد في العالم العربي 10 أغنياء يتبرع كل منهم بـ 1 % فقط من ثروته لتأسيس مؤسسة ترجمة عملاقة تترجم سنوياً 10000 كتاب كما تفعل إسرائيل ؟! هل مات الخير في “أمة الخير” ؟!.

5
الإعلام، في عصر ثورة الاتصالات وحاملها الانترنت، هو مدرسة بلا أبواب، وأحد أهم مخابر العقلانية والعقلانية الدينية بوجة خاص. سمى هيجل قراءة الجريدة”صلاة الفجر الحديثة”.
فلسفة الأنوار لم تتغلغل في جمهور عريض، كان سر نجاعتها ونجاحها، إلا بفضل الإعلام الذي عممها. استقبال فولتير، لما عاد إلى باريس دون استئذان الملك، استقبال الفاتحين دليل على شعبية فلسفة الأنوار. وقد قال له ديدرو مهنئاً:” أمة بكاملها حيتك تحية قلما ظفر بها ملوكها منها. تلقيت تحية النصر في وطنك، العاصمة الأكثر تنوراً في العالم ؛ من منا لا يعطي حياته ليوم كيومك ؟”. هُزم العقل في اليونان لأنه ظل حبيس أكاديمية أفلاطون وليسيه أرسطو وحديقة أبيقور وأروقة الرواقيين… ولم يتغلغل في قطاع عريض من الجمهور الذي ظل يتغذى بالفكر الأسطوري على ربابة منشدي الإلياذة والأوديسه. بالمثل هزم العقل الكلامي في أرض الإسلام، لأنه بقى حبيس صالونات الخلفاء بينما كان الوعاظ والفقهاء يحشون أدمغة العامة باللامعقول الديني في الجوامع والشوارع. في الحالتين اليونانية والعربية هُزم العقل لغياب الإعلام. لأن اكتشاف المطبعة كان مازال غير ممكن. المطبعة هي التي جعلت خروج العقل من سجن الأكاديميات والليسيات والصالونات ممكناً وهذا ما تفعله اليوم، وستفعله عدا أكثر، الانترنت. باراديغم عصر الثورة العلمية والفلسفية، ق 17، “أنا أفكر فأنا موجود”. أما باراديغم عصر ثورة الاتصالات فهو “أنا أفكر في الإعلام فأنا موجود”. في فرنسا الكتاب الفلسفي الذي ُيناقش في التلفزيون يبيع 75 ألف نسخة سنوياً ؛ والذي ُتفرض عليه “الرقابة” الإعلامية يبيع خمسة آلاف! إني لأشعر بالسعادة وأنا أكتب في إيلاف لربع مليون قارئ في القارات الخمس. من الأهمية بمكان أن يكون للعقلانيين إعلامهم الخاص :جريدة إلكترونية، مجلة ورقية، إذاعة، فضائية… والنشر ما أمكن في الإعلام الذي يفتح صدره لهم. ألا يوجد في العلم العربي عقلاني واحد ليهدي للعقل فضائية واحدة للرد على لامعقول “الجزيرة”و”المنار”و”إقرأ” وأخواتهم؟.

6
هذا الميثاق الذي تناولت فيه بضع قضايا أساسية والذي أقترحه على قرائي وعلى العقلانيين في دول الجامعة العربية وأبعد إن أمكن، ليستخدموا جميعاً في نقاشه عقلهم النقدي، أي دماغهم المعرفي؛ هذا النقاش النقدي المتعارض غائب في الساحة الفكرية؛ والحال أننا في غيابه لن نتقدم إلى التقدم في عالمَ من لا يتقدم فيه يتأخر. في عالم تكثف فيه التلاقح الثقافي، وتعولم على نحو غير مسبوق، بات من أكثر واجبات العقل إلحاحاً أن يحاول تسريع انتقال الذهنية العربية الإسلامية من ذهنية القرون الوسطي اللامعقولة، إلى ذهنية القرن الحادى والعشرين العلمانية والعقلانية المنفتحة. هذا الميثاق هو إسهام فردي ناقص بالضرورة، يحتاج إلى إسهام جمعي أوسع وأعمق للدفع في اتجاه غلغلة العقلانية في جميع مناشط حياتنا وعلى أوسع نطاق ممكن. وأنادي جميع العقلانيين في العالم للعمل على ترسيخ حقيقة حقبتنا العقلانية بامتياز: ضرورة اقتسام خيرات الأرض واقتسام نتائج البحث العلمي والتكنولوجيا بين الشمال والجنوب بتفادي حرب الجميع ضد الجميع.

أية إعادة نشر من دون ذكر المصدر إيلاف تسبب ملاحقة قانونية

 

 

تواصل الأجيال العربية تكرار لجيل واحد

ضياء الموسوي

يسألني بعض شبابنا العربي إلى متى سنظل نجلد ذاتنا في الساحات العامة؟ إلى متى نشعل الحرائق في عقول الشباب؟

كيف الصبر على كل هذا التحريض على الواقع العربي؟

من يقبل أن يمتد النقد حتى إلى الخيم الدينية؟

أقول، إن إشعال مزيد من حرائق الأسئلة في العقول هو البداية وما أصعبها من بداية!
إذا القينا الحجارة الناقدة على نوافذ الجمود سيبدأ التغيير، وربما يستيقظ العالم العربي من نومه، وينهض من على فراش التاريخ.

يقول البعض هذا الخطاب قد يثير الكثير من الحساسيات وردود الفعل، وقد يقود إلى انقلاب في المفاهيم؟ أقول: فاليكثر النقد. الفكر إذا لم يكن كشهر آذار قائما على الانقلاب والتغيير والنهوض فلافائدة فيه. ديكارت جاء من العاصفة، وفولتير أوقد جزءا من هذه التغيير دون أن يعبأ بالرافضين.

المشانق المزروعة على ألسن الرافضين للتغيير يجب أن لاتضعفنا في زراعة التغيير، والإيمان بالإصلاح الفكري، والتحريض على اليقظة.

يجب على الكاتب أن لايسعى إلى تصفيق الجمهور أو ابتسامة الحكومة كما حرض على ذلك سابقا طاغور في أقواله الجميلة.

جمهورنا العربي مازال يربى على الخطب الإنشائية والأساطير، ومازال توزع عليه أقراص تنويم حتى أصبح في غيبوبة مستحكمة.

هذا الجمهور الذي يغضب من التغيير والذي يقاس على رأيه في قبول ثورة الإصلاح الفكرية أو غيرها هو نفسه الذي خرج بعد 67 للرئيس جمال عبدالناصر ليدق طبول النصر، وليحول مثقفوه النكبة الى نكسة. نحن امة تحول خسائرها الى انتصارات وتنام على تنويمات الإعلام والخطابات الانشائية. هو نفسه الجمهور الذي خرج يبكي ويصرخ باكيا ضاربا على رأسه حزينا على رحيل صدام حسين. هو نفسه الذي هلل لاحتلال الكويت، والآن تراه يصفق للذي يحدث بين فتح وحماس اما منتصرا لهذا الفريق أو ذاك.
جمهورنا العربي لم يدرب على النقد لامن قبل الحكومات ولا النخبة ولاالمجتمع المدني. مجتمعنا العربي مربى على صنمية الحزب وتقديس النخب وتمجيد الاساطير. النظام العربي يرفض المجتمع المدني، والمثقفون يحملون ذات الجينات التي تربوا عليها، في بيئات تربتها لاتحمل بدور للديمقراطية، حيث اضحت الديمقراطية مجرد اكسسوارات تجميلية، ومكياج يوضع على محيانا العربي المليئ بالتجاعيد.
لن اعمم قراءتي ولن اقول الجميع، ولكن الأكثر يلبس هذه الثياب التنكرية في المسرحية العربية.

هناك تحالف غير معلن بين المثقفين والمؤسسات لتقاسم العالم العربي والمعارضة العربية ليست أفضل حالا، فهي اشد ديكتاتورية من كل الأنظمة الموجودة.

كثير من زعماء الاحزاب العربية لاتتحمل ان تنتقد في الصحافة او عبر وسائل الاعلام. الاحزاب الغربية في الغرب لايضيق صدرها من نقد الصحافة لأنها تربت في تربة سليمة ليست مالحة كملوحة اراضينا، اما الاحزاب العربية فهي تريد من الصحافة ان تدلك بطنها بالزيت البنفسجي كل صباح.

بعض الدول العربية تغيرت رؤساؤها ولو بالوفاة، ورئيس حزب المعارضة في اكثر من بلد عربي للآن باق على منصبه. اذن اختك مثلك. ان تواصل الاجيال العربية تكرار لجيل واحد.

منذ خمسين عاما، ونحن نكرر ذات الاخطاء في السياسة والثقافة.

الامراض العربية هي هي. جينات الاجيال واحدة، ودوراتها الدموية واحدة، لان الاجيال تتغير، ولكن الثقافة هي هي. ثقافة النرجسية والحقيقة المطلقة، واننا افضل امة على وجه الارض، واننا نحن من أسس للحضارة، وان كل العالم متآمر علينا، ونحن الطيبون المخمليون النقيون الطاهرون!!

من احزابنا يمتلك جرأة كوربتشوف في نقده للشيوعية، ان يخرج علينا في نقد واقع ثقافتنا التي نقدمها لابنائنا.

اؤمن ان الله اعطى العرب عقولا ذهبية كما اعطى الغرب واليابان بيد ان الثقافة والتربة هما اساس ابتلائنا؟. لست شعوبيا في نقدي للوضع العربي وانما اردد لابد من نقد قاسى للخروج من الغيبوبة. جزء من تاريخنا كان جميلا لكنا اضعنا هذا التاريخ.

الم يكن الزهراوي اشهر جراح العرب ومخترع خيوط الجراحة؟ الم يكن الخوارزمي هو من الف في الحساب، وان العرب هم اول من عرفوا ان ضوء القمر مستمد من الشمس؟ المصريون القدماء هم اول من عرف الطب واول من استعملوا العطور. اليس ابن رشد وابن سينا منا؟

لكن السؤال الى متى نردد ماردده جرير :
اولئك ابائي فجئني بمثلهم اذا ماجمعتنا ياجرير المجامع.
لماذا يخرج احمد زويل الى امريكا ويصبح رائدا في العلم؟ ويخرج العقاد اليها ويصبح مخرجا كبيرا؟ لان للتربة والثقافة دورا.

عندما نصبح لانقدس الا الموت، ونعقد الدين، ونحمله ما لايتحمل كما نبهنا في عدم الوقوع في ذلك الخليفة عمر قبل الف واربع مائة عام فواقعنا لن يتغير، وسنقع في شباك الوهم والخرافة والمثولوجيا. الاصلاح مهم لنبني جيلا وانسانا عربيا جديدا يحترم الحوار بلا انفعال.

شبابنا متوتر، فأي نقاش معه يحوله الى بركان يخرج من رأسه غاز الكبريتيد، الشرر ينقدح من عينه. شبابنا بسبب القمع الرسمي وبسبب النفخ الديني يمارس دور الشرطي القامع. اصبح اكثر قسوة من مدير سجن.

ما مارسته الكنيسة والنبلاء ولويس السادس عشر في فرنسا يمارس اليوم في عالمنا العربي، وكما رفض البابا الاصلاح في تلك المرحلة وهيج الملوك على الثورة الفرنسية، اليوم يمارس بعض رجال الدين ذات الدور ضد أي إصلاح ديني.

الضرائب هي هي بيد اننا نعطيها اسماء مختلفة الآن واصبحت تخدم طبقة البابوات الجدد.

الامبراطور البيزنطي استولى على المسيحية، واستخدمها لصالحه، واليوم بعض المثقفين الرافضين للاصلاح والدعوة للاسلام الوسطي يمارسون ذات الدور.
لقد تعرض الشيخ محمد الغزالي الى مواجهات مع المتعصبين كما تعرض السيد محسن الامين عندما دعى الى الاصلاح الديني حتى قال فيه خطيب كان يتاجر بالمورفين الثقافي:

ياراكبا أما مررت بجلق/ فأبصق بوجه أمينها المتزندق.

نحن واقعون بين عسكر الدولة وعسكرالتشدد الديني. يقول نزار قباني في ديوانه (هل تسمعين صهيل احزاني) (187):

ان السياسة وحدهامستنقع
ماذا اذا التقت السياسة والبغاء.

على المثقف ان لايقف في المناطق المحايدة ليلون الارض باللون الازرق. يجب ان يكون موقفه جريئا وواضحا وناقدا للتخلف والاساطير، لا أن يكون رماديا كلون بيضة انثى الهدد.
يجب ان نركز على القراءة المقاصدية التي دعى لها الشيخان الطاهر بن عاشور والشاطبي وكذلك علال الفاسي كي نبدأ رحلة الاصلاح.

لعل البعض يقول: وما هو الحل؟
الحل، فتح ابواب الحداثة، ولن يكون إلا بالإصلاح الديني والسياسي، وعدم اقحام الدين في السياسة، فالدين ثابت والسياسة متغيرة والدين مقدس، والسياسة نجاسة.
مجاملتنا في الثقافة كلفتنا ضياع ابنائنا.

لعل البعض يقول انكم اشبه بمن يصرخون في برية. كلام جميل ولكني اقول ماقاله مفكر غربي: انااكتب لقارئ لم يولد بعد وقد يولد بعد الف عام.

محمد أركون بعد أن قدم مشروعه في الأمم المتحدة يقول لـ«الشرق الأوسط»: التيار المواجه لـ «الأصولوية» آيديولوجي ولا نثق به علمياً

يجب أن نخرج من المخيال الذي طغى في زمن عبد الناصر أي الخروج من زمن القومية العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة لأنها فكرة لا تحترم التاريخ > الغرب نفسه يمر بأزمة ويتساءل ويعاني من القلق ولذلك لا نستطيع أن نستعيره كنموذج لنا

نيويورك: صلاح عواد
بدا الباحث والمفكر الجزائري، محمد أركون صوتا مختلفا في الندوة التي دعت إليها الشيخة هيا راشد آل خليفة، رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحالية حول «حوار الحضارات». واكتسبت الندوة أهمية خاصة نظرا لتنوع موضوعاتها التي طالت الدين والإعلام والصدام بين الغرب والشرق. وبالتأكيد أخذ موضوع الحركات الإسلامية المتطرفة، حيزا في هذه الندوة التي عقدتها الأمم المتحدة لأول مرة، منذ أن طرح موضوع «حوار الحضارات». ومثل بقية الندوات، تراوحت المساهمات ما بين الجدية والسهولة، وتمايزت ما بين الموقف العلمي الصارم والموقف الأخلاقي، مما دفع الأمين العام للجامعة العربية، عمرو موسى إلى اعتبار «صراع الحضارات» مجرد «صراع مصالح» أو هو «صراع سياسي»، طالما انه لم يصل إلى حدة ملحوظة بين الشرق البعيد ـ اليابان والصين ـ والغرب، بينما نجده حاداً جداً بين العرب والغرب، بسبب الصراع العربي الإسرائيلي. وقد يلتقي محمد أركون، الباحث بالإسلاميات مع عمرو موسى حين يثير الانتباه إلى المفارقة التاريخية التي اعتمد فيها إعلان حقوق الإنسان من قبل الأمم المتحدة، بعد فترة وجيزة جدا على قرار المنظمة الدولية بإنشاء دولة إسرائيل. ويلاحظ أركون أن هذا الإعلان، تم تسويقه قبل أن تنتمي دول عديدة من العالم الثالث من بينها دول عربية وإسلامية وأفريقية إلى الأمم المتحدة، وقبل ان تنال استقلالها من الاستعمار الغربي.

وحذر أركون مما اسماه الجهل المؤسس، ومن أجل تجاوز هذا الجهل، واقترح إنشاء هيئة استشارية ترافق صناع القرار السياسي، تضم باحثين في العلوم الإنسانية، خصوصا في مجال علم الاجتماع والأنثربولوجيا لتجنب الأخطاء التي ارتكبها الغرب وصناع القرار في الأمم المتحدة. وحرص محمد أركون في حواره مع «الشرق الأوسط» على تسمية التيارات الإسلامية الحالية بـ«الأصولوية» تمييزا عن «الأصولية» التي تستند إلى المنطق والعقل، كما تجلت في العصور الذهبية للحضارة الإسلامية. ويرى أن هذه الحركات «الأصولوية» تجهل التاريخ وأسس المعرفة، ويسمها بالجهل والديماغوجية. ويرى أنها حركة سياسية معارضة تأخذ من الدين إطارا لمصارعة دولة، هي الأخرى تلجأ إلى الدين من أجل تبرير شرعيتها أو مشروعها الحداثي الهش، وهذا نص الحوار:

* كيف تنظر إلى هذا الحوار، أي «حوار الحضارات»، وهل ثمة أي جدوى منه؟

ـ هناك جدوى إذا طبقت بعض الأشياء التي قيلت وأهمها ضرورة المساهمة من طرف الباحثين، أي الذين يعتنون بالتعرف على المجتمعات في ماضيها وحاضرها ومستقبلها، بتطبيق علوم الإنسان والمجتمع. وأن يساهم هؤلاء مع المقررين السياسيين في المصير التاريخي لجميع المجتمعات، وخاصة هنا في هذا المكان «الأمم المتحدة»، حيث تجتمع هذه الدول ولكن بممثلين معينين من طرف الدول الأعضاء. وبالطبع هؤلاء تخفى عليهم أشياء كثيرة، في الأمور التي يعالجونها كسياسيين.

على سبيل المثال، عندما أقرت الأمم المتحدة إعلان حقوق الإنسان في عام 1948، وهو الإعلان الثاني بعد إعلان الثورة الفرنسية لحقوق الإنسان في القرن الثامن عشر. جاء إعلان الأمم المتحدة في وقت لم تكن الدول التي ستظهر بعد الخمسينات (القرن الماضي) قد تحررت بعد من الهيمنة الاستعمارية ولم تشارك في التحضير للإعلان وثيقة حقوق الإنسان. ومع ذلك يبقى هذا الإعلان مهما جدا، لأنه أعلن من أجل العالم كله ولتحسين الوضع البشري، لكن في نفس ذلك العام حدث ما حدث، وهو الاعتراف بإنشاء الدولة الإسرائيلية. يبدو من وجهة نظري، أنه لو ساهم المؤرخون، ومن جميع الأطراف المعنية بالأمر، ولو استمع السياسيون الذين قرروا ما قرروا إلى ما يقوله المؤرخون، في المصير التاريخي لهذه المنطقة الشرق الأوسط لما حدث ما يحدث الآن من صراع. واعتقد أن التاريخ قادر على تغيير النظرة السياسية حول القضايا المطروحة لدى السياسيين لذا أشرت في مداخلتي الأخيرة إلى المستشارين لدى الدول، ولدى الأمم المتحدة. يبدو لي ان الدول والمنظمة الأممية، لا تلجأ إلى استشارة ليس المؤرخين فقط، بل إلى الذين يعتنون بجميع ما يجري في منطقة ما، لكي ينبهوا الوعي الدولي على ما يجري وما تتصف به كل المجتمعات التي تمثل هنا في الأمم المتحدة. وللأسف لم يحدث هذا حسب علمي، وفق ما قرأت وما سمعت لذا نوه المشاركون في هذا الملتقى إلى اعتبار هذا اللقاء، وكأنه أمر غير عادي. وهذا يدل على أن الفكرة لم تطرح وغائبة عن المسؤولين الكبار سواء في الأمم المتحدة أو حتى لدى المسؤولين في الدول الأعضاء، وهي لم تناقش أصلا. وإذا ساهمت هذه الندوة في دفع جميع المسؤولين بهذا الاتجاه ستكون لهذا الملتقى أهمية تاريخية.

* هل يوجد حقا صراع للحضارات وإذا كان موجودا كيف تنظر إليه بعين الباحث والمؤرخ؟

ـ صراع الحضارات موجود ووفق النقطة التي طرحتها الآن سنجد أن هناك فرقا ونوعا من الحرب الفكرية بين العلماء أنفسهم، لذلك أشرت مثلا إلى برنارد لويس وأنا، وأن كلينا يهتم بتاريخ الإسلام، ولكننا نقف مواقف مختلفة كل الاختلاف.

* في مداخلتك تحدثت عما اسميته بالجهل المؤسس، فماذا تعني بهذا المفهوم؟

ـ هذا شيء آخر، لذلك ألح على النقطة التي ذكرتها لك، لأني أثق بالباحثين الممعنين بالبحث، والذين هم معروفون من قبل زملائهم في العالم. وهم الباحثون المدققون والقادرون على تقديم معالم ومعارف يوثق بها، لذلك مثلا إذا اخذ بهذه النصيحة فيجب على المنظمين والمسؤولين هنا أن ينتبهوا إلى وجود اتجاهات مختلفة ومتصادمة بين العلماء والباحثين أنفسهم، لأن هناك اختلافا في المناهج واختلافا في المواقف المعرفية. وإذا جرى تنظيم مجلس من المستشارين هنا، عليهم أن يأخذوا مشاركة مستشارين يمثلون كل الاتجاهات الموجودة في ميادين العلم كالتاريخ وعلم الاجتماع، وذلك لاحترام تعدد المواقف. وإذا تمت دعوة اتجاه واحد مع تناسي الاتجاهات الأخرى سوف لن تنجح، لأن فكرتي تأخذ في الاعتبار هذه التعددية وتقوم أصلا عليها.

* لديك موقف نقدي إزاء موجة من الباحثين أو الخبراء بالشأن الإسلامي، والذين تزايد عددهم بعد هجمات 11 سبتمبر، على أي أساس يستند هذا النقد؟

ـ مثلا إذا قرأت كتاب برنارد لويس الذي صدر في نفس الوقت مع كتابي وهو حوار بيني وبين جوزيف مايلر وصدر تحت عنوان «من مانهاتن إلى بغداد»، والعنوان الفرعي للكتاب «ما وراء الخير والشر» ردا على العبارة المعروفة التي أطلقها الرئيس الأميركي جورج بوش «محور الشر». وهو يدعي أن هناك شرا وخيرا وهو يعرفهما ويميز بينهما. أنا ضد هذا التفكير السياسي الديماغوجي الذي ينطلق من إطار التفكير الثنائي الأحادي وانتقده بشدة. وأقول إنه يجب أن لا نقول «إن هذا شر وخير بيقين». بالتأكيد هذا اليقين كان يوجد في إطار التفكير الديني والميتافزيقي القديم، والآن العقل المعاصر لا يتقيد بهذا النوع من هذا التفكير.

* ما رأيك بهذا الكم الهائل من الكتب التي صدرت في السنوات الأخيرة عن الإسلام والشأن الإسلامي؟

ـ معظم الكتب التي أصدرها وكتبها المتخصصون بما نسميه بالعلوم السياسية. وهذه العلوم تمتاز عن علوم الإنسان والمجتمع بموقف أساسي وحاسم فيما يتعلق بالمعرفة. العلماء المتخصصون بالعلوم السياسية، يفكرون ويكتبون في إطار المدة والفترة القصيرة، وهي المدة الآنية، يعني هم لا ينظرون إلى ما قبل أحداث 11 سبتمبر لتفسير ما حدث، وما بعد الحادي عشر من سبتمبر هي فترة قصيرة جدا. هذه الأحداث لا يمكن فهمها علميا إذا لم نرجع إلى ما حدث بعد الحرب العالمية الثانية، وعندما نرجع إلى أحداث ما بعد الحرب العالمية الثانية، سنجد هناك أحداثا لها علاقة بما قبلها وسنرجع إلى المدة المتوسطة التي تسبق المدة الطويلة. إن هذه المدة القصيرة لها امتداد زمني لمدة أطول، لها علاقة بعهد ظهور الإسلام في البحر الأبيض المتوسط وحتى تلك المدة يجب أن ترجع إلى ما وراءها، لأن الإسلام نتيجة لما حدث في تاريخ النبوة وهلم جرا فيما يتعلق بالتاريخ وبوعي التاريخ. هذا الوعي التاريخي له عمل وأثر كبير بما يقوم ويفكر به المسلمون اليوم، لأنهم يرجعون كل موقف من مواقفهم إلى القرآن الكريم وإلى القرن السابع الميلادي. هذه النقطة مهمة جدا وتفترق عن العلوم السياسية من جهة وعلوم الإنسان من جهة أخرى.

* قدمت عملا متميزا في تحليل بنية الخطاب الديني والسياسي من جوانب مختلفة، واستندت إلى آليات منهجية متعددة وثرية، وكيف تنظر إلى التيارات الإسلامية التي أخذت تكتسح الساحة السياسية ليس فقط في العالم العربي بل الإسلامي أيضا؟

ـ أنظر إليها كمؤرخ يحترم المدة الطويلة والمتوسطة والقصيرة، وهذه التيارات «الأصولوية» وليست «الأصولية» كما هو شائع ـ وعلى الصحافة أن تساعدنا في إثراء اللغة العربية حتى تكون اللغة مدققة، وتستفيد من تدقيق النظر والتحليل للمجتمعات. يجب أن نميز بين التيارات الأصولوية اليوم والتيارات الأصولية التي تنتمي إلى فكر يحترم النقد والأطروحات الفكرية والتحليلية العلمية.

وعندما أقول العلمية، أعني على سبيل المثال، النحوية التحليلية للقرآن. وأما التيارات الأصولوية، فهي تجهل هذا، وتجهل على سبيل المثال وسائل التفسير للقرآن الكريم، وأولاها اللغة العربية وعلم اللغة العربية، وعلم البلاغة، والأسلوب العربي، وما يتعلق بالاستعارة مثلا في اللغة العربية. وثاني هذه الوسائل هو تاريخ اللغة العربية، حتى لا نخلط بين الخطاب القرآني، والمعجم العربي في القرون الثاني والثالث والرابع الهجري، أي في الفترة التي أغتنى بها المعجم بجميع العلوم التي أتى بها العلماء بعد ظهور الإسلام.

* وكيف تنظر إلى الخطاب النقيض للخطاب الأصولوي الذي ظهر في المرحلة الراهنة في مواجهة التيارات الأصولوية؟

ـ أرى أن هذه الكتابات تخلط بين الخطاب السياسي ـ الأيديولوجي والنقاش العلمي، لذلك لا يمكن أن نثق بها علميا، وهي تميل إلى المواقف الأيديولوجية أكثر مما تفترضه المناهج العلمية في ممارسة علوم الإنسان والمجتمع.

* التيارات الأصولوية تملك أجندة سياسية وهي تشغل المشهد السياسي العربي والإسلامي إلى حد ما، فكيف تفسر ظهور هذا التيار ليحتل هذا الموقع في المشهد السياسي العربي الآن؟

ـ هناك عوامل عديدة لبروز هذه التيارات. هناك عامل فكري لأن الفكر الأصولي، كما مارسه علماء أصول الفقه والدين منذ الإسلام الكلاسيكي في العصر الذهبي ـ كما نسميه ـ له روابط مع الأصولوية. لأن الموقف الأصولي يدعي أن هناك أصولا صالحة لتأصيل الأحكام الفقهية في النصوص المنزلة. وهذه الفكرة قوية وهي التي اعتمد عليها أهل الكلام (الثيولوجي) والفقهاء في استنباط الأحكام من النصوص، ويعتبرون الأصول إما ثلاثة أو أربعة حسب المذاهب، فيعتبرون الأصل الأول هو القرآن، والأصل الثاني الحديث، والأصل الثالث الذي فيه النقاش وهو الإجماع، والرابع الذي فيه نقاش أشد من النقاش على الإجماع، وهو القياس، هذه هي الأصول التي يعتمد عليها أهل الكلام والفقه في الفكر الإسلامي.

والفكر الإسلامي أي المتعلق بالإسلام كدين، كله مبني على مفهوم التأصيل كالتأصيل للقيم الأخلاقية والتأصيل للمعرفة. فما نعرفه يأتي أولا من القرآن، وإذا جاء عالم فلك يقول مثلا إن الأرض تدور حول الشمس، ورغم ان هذا القول هو حقيقة علمية، لكن رجال اللاهوت والفقه يقولون إن ما يقوله القرآن هو فوق ما تقوله أنت كعالم فلك. إذن كل المعرفة مبنية على فكرة التأصيل، ولذلك نسمي هذه المعرفة بالأصولية. ولكن عندما يأتي العقل الحداثي يتغير الأمر، لأن العقل الحداثي يقول إن هذا النص معتمد على اللغة العربية أو اللغة العبرية أو اللغة الآرامية أو اللغة اليونانية ( يجب أن ننظر إلى الأديان الأخرى). والعقل الحديث يقول إن هذه اللغات هي بشرية، ويجب أن ندرسها دراسة تأخذ في عين الاعتبار أنها لغات تستعمل في المجتمع ويستعملها أعضاء المجتمع، وهم بشر ملتزمون بالتاريخ ويفرض عليهم التاريخ التغير والتنقل نحو بعضهم البعض، ونحو بعض المفاهيم ونحو التجديد في استعمال الألفاظ. والتفكير في الإطار الحداثي يضيف مواقف لم يدركها ولم يؤمن بها العقل قبل الحداثة، لذلك كانت هناك معارف لا نزاع فيها، وبعد الحداثة نكتشف أنه لا يمكننا أن نثق بها بعد ما أنتجه العقل الحديث من مناهج جديدة وتحديدات وتقسيمات وتحديدات جدية وهلم جرا.

ولكن الفكر الإسلامي لم يتقيد بهذه القطيعة المعرفية، وبالخط الذي يفصل ما قبل وما بعد الحداثة، وهذه نقطة مهمة لأن الفكر الأصولوي المعاصر لا يعتني بها ولا يعترف بها وينكرها ويجهلها، وهذا ما أنتج جميع المشاكل التي نحن فيها. ولا تزال هناك جماهير تتحرك وتفهم الأمور حسب ما قاله العقل قبل الحداثة، ولم تخضع فكرها لما بعد الحداثة.

وتمتاز هذه التيارات الأصولوية بصفتين: أولاها أنها قد انفصلت عن العقل الإسلامي في عصور الاجتهاد، والثانية هي ابتعادها عن المؤلفات الكبرى التي جاءت في العصر الذهبي الناطق باللغة العربية. فالمسلم الأصولوي مثلا، لا يقرأ ما كتبه ابن رشد، وإذا قرأه سينكره ويقول إنه غير إسلامي، ويحكم عليه بأنه غير مسلم مع ان ابن رشد كان قاضي القضاة في قرطبة.

* أين تضع كتابات محمد عابد الجابري وأدونيس وغيرهما، في قراءة منظومة وبنية الفكر الإسلامي، وما أنتجته الثقافة الإسلامية؟

ـ هؤلاء يحاولون أن يدخلوا في فضاء الفكر الناطق باللغة العربية اليوم بعض المواقف التي أتت بعد الحداثة، وبعد ظهور العقل الحداثي. ولكن هذه الكتابات تثير بعض النقاش وبدرجات مختلفة، لأن الحداثة ليست تيارا واحدا يشمل الجميع، ويتقيد به الجميع. وهناك تفاوت كبير بين المؤلفين والكتاب، بعضهم يخلطون في الحقيقة، بين المواقف التي سبقت الحداثة، خاصة ما يتعلق بمواقف العقل الإسلامي ومواقف ما بعد الحداثة. على سبيل المثال، أصدر الجابري مؤخرا كتابا عن قراءة القرآن، وفي هذا الكتاب يخلط بين المواقف الإسلامية القديمة، خاصة ما نسميه العقل الإسلامي في عصور الاجتهاد، وأشياء يأخذها من العصر الحديث، لأنه يعاصر الحداثة ويأخذ منها البعض وليس الكل.

* تشهد بعض دول منطقتنا كالعراق ولبنان، قدرا كبيرا من التوتر والصراع الطائفي بين السنة والشيعة. فهل ترى أن هذا الصراع يأخذ بعدا دينيا آخر كالصراع الجاري مع التيارات الأصولوية؟

ـ النزاع بين السنة والشيعة قديم ولم يتوقف أبدا، أضيف إليه ما حدث في السنوات الأخيرة، بعد ظهور الثورة الإسلامية والخميني، فاكتسبت الفرقة الشيعية في الإسلام أهمية لم تكتسبها من قبل، ولكنها أهمية سياسية أكثر منها دينية، لأن ما يتعلق بالفكر الديني لم تزل فرقتا السنة والشيعة متشبثتين بالفكر الأصولي كما وصفته، ولا فرق بينهما، ولا يتقدم هذا عن الآخر.

* تحدثت عن أن الفكر الإسلامي والعربي لم يحدث القطيعة مع الفترة التي سبقت الحداثة وما بعدها، فهل يمكن القول إن العرب أيضا قد فشلوا في بناء دولة حديثة؟

ـ الدولة مسألة شاملة، ويجب أن تدرس كظاهرة سياسية برزت بعد الاستقلال، لأن هذه الدول اكتسبت سيادة سياسية كاملة بعد التحرر من هيمنة الاستعمار. وهذا التاريخ للدول ـ بعد الاستعمار ـ لم يدرس بعد، ويجب أن نؤرخ لهذه الدولة في كل بلد، بشكل منفصل، فهناك دولة جزائرية ودولة سورية … والخ. وبدون أن نكتب التاريخ المدقق، لتكوين هذه الدول وللأسس الشرعية التي تتبناها، وللاتجاهات القانونية والحقوقية التي تمتاز بها، لا يمكن معرفة الخلل. نحن جاهلون لمعظم ما جرى منذ أكثر من 50 سنة من التاريخ.

* أحيانا يبدو أن الدولة تغذي الخطاب الأصولوي، ألا تشعر بالربط بين بناء هذه الدولة الحديثة والتيارات الأصولوية التي بدأت تزدهر منذ الثمانينات؟

ـ طبعا أن هناك ربطا لأن هذه الدول لها سياسة في منح وتمويل العلوم الخاصة بالإنسان والمجتمع، وما هي الميزانية المخصصة في كل مجتمع عربي للباحثين بهذا الجانب من المعرفة التي تعتني بعلوم الإنسان والمجتمع. هناك دول لا تساعد مثلا، أو تحذر من تدريس السوسيولوجيا أو الانثربولوجيا، لأن هذين العلمين لهما بعد سياسي واضح.

* بما أن الوقت الراهن يشهد صراعا بين التيارات الأصولوية والتيارات المعتدلة بما فيها تيار الدولة الذي يستند هو الآخر، أحيانا، إلى الخطاب الديني، بماذا تنصح هذا التيار المعتدل؟

ـ لأن التيار الأصولوي يشكل جزءا من المعارضة السياسية لأنظمة الدول هذه، علينا أن نرى النزاع سياسيا. فالتيار الأصولوي يلبس حركته السياسية بمعجم ديني والدولة أيضا تلبس شرعيتها بمعجم ديني. وهذا الصراع بين المعارضة والسلطة، هو صراع من أجل الشرعية (المشروعية). الدولة تحتاج إلى المشروعية، وكذلك المعارضة تحتاج إلى المشروعية، وكلاهما يحتاج إلى الإسلام لاكتساب مثل هذه المشروعية، لأنه لا الدولة ولا المعارضة يمكنهما أن يستمدا ـ على سبيل المثال ـ المشروعية من الدستور الفرنسي أو الأميركي أو الغربي بصفة عامة. وهما يتظاهران بالإسلام والعروبة، وهنا تبرز مشكلة الهوية. فالدولة لا يمكن أن تعلن أن مشروعيتها كلها مستمدة من التشريع الحديث أو من الدساتير التي تستند إليها الأمم الحديثة.

* كيف تنظر إلى مستقبل هذه العلاقة الملتبسة بين الطرفين: الدولة والتيارات الأصولوية ؟

ـ هناك جدلية قائمة ومستمرة وحادة. هذه الجدلية أصبحت أساسية في تسيير المجتمعات التي تنتمي إلى الهوية الإسلامية وإلى الهوية العربية والهوية التركية والإيرانية الفارسية. هذه الجدلية سوف تستمر لمدة لا نعرفها، ولا نعرف متى ستنتهي، وإلى أين ستنتهي، ما دامت هذه الجدلية لا تأخذ بجدية ما فرضته الحداثة على ممارسة الفكر العلمي وممارسة التشريع الحديث، الذي يعتمد على سيادة الديمقراطية التي تمارسها الشعوب. وما لم نواجه هذه المفروضات الخاصة بالحداثة سنبقى في حالة من الاختلاط الأيديولوجي، بين صفات خاصة بالحداثة، وصفات مأخوذة من التشريع الإسلامي والهوية العربية الإسلامية، ولكن هذه الهوية والتشريع لا يعتمدان على حقيقة الفقه الإسلامي ولا على الحقيقة التاريخية ولا على الهوية الخاصة بالثقافة العربية والتفكير الناطق باللغة العربية في الأزمنة البعيدة والقرون البعيدة، أي القرون الوسطى.

* بالمقابل هناك الآن موجة أصولوية يشهدها الغرب، ويبدو هذا واضحا مثلا في الولايات المتحدة.

ـ الغرب نفسه يمر في أزمة، وهو نفسه يتساءل، ويعاني من القلق وهذا ما يجب الإشارة إليه، لا أقول أبدا إن هناك نموذجا غربيا متكاملا يجب على المسلمين والعرب أو مجتمعات ما نسميه بالعالم الثالث أن تستمد منه لكي تبني دولتها المعاصرة.

ما أقوله هو يجب أن ننمي تفكيرا خاصا بمجتمعاتنا، يأخذ في الاعتبار المصير الخاص لكل مجتمع من مجتمعاتنا، لأن التاريخ الجزائري غير المغربي، وتاريخ تونس يختلف عن تاريخ مصر أو العراق. يجب أن نخرج من ذلك التصور/المخيال الذي طغى على التفكير العربي في زمن عبد الناصر، أي الخروج من زمن القومية العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة. العرب لم يدركوا بعد أنه مخيال، وما زالوا يتحمسون إلى فكرة الأمة العربية الواحدة. هذا التحمس لا يحترم التاريخ الذي جعل الجزائر تختلف عن المغرب رغم أن الشمال الأفريقي أرض واحدة. هذه في تقديري نقطة مهمة بما يخص المخيال، حيث أننا نتوق إلى أشياء من دون أن تتحقق هذه المحتويات، وتجذبنا من دون أن نحققها بالتحليل التاريخي والسوسيولوجي. هذه الدول جميعها تتبنى اللغة العربية كلغة رسمية لها، اللغة هنا تلعب دورا مهما في التواصل فيما بينها، ولكن هذا لا يعني أن التاريخ الذي ننتمي إليه كمجتمع هو تاريخ واحد.

وما أدراك ما الشرف
GMT 10:00:00 2008 الأربعاء 12 مارس سعد الله خليل


لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى… حتى يراق على جوانبه الدم. هذا ما قاله الشاعر الجاهلي أبن أبي سلمى. وتلك هي أهمية الشرف، ومعناه، في المجتمع الجاهلي، وما زالت تلك الأهمية، وذلك المعنى، على حالهما حتى يومنا هذا. فما هو ذاك الشرف الرفيع الذي لا يمكن حمايته وصيانته من عبث العابثين والأعداء، إلا بطريقة واحدة لا ثانية لها، ألا وهي إراقة الدماء على جانبيه؟ ثم.. أين يكمن هذا الشرف الذي يستوجب الحرب والقتال والدماء؟
بالطبع لا يحتاج المرء إلى كثير عناء للإجابة على هذا السؤال. فالشرف في ثقافتنا وفي مفهومنا، ليس في صدق الرجل وأمانته واحترامه لكلمته، وليس الإخلاص في العمل. ولا الوفاء للأهل والأصدقاء. ولا في فعل الخير، ومساعدة المحتاجين والمقهورين. وليس في محاربة الغش والرشوة والفساد، أو في نبذ الكذب والسرقة، وشهادة الزور، والدس والتحايل والخداع، والإيقاع بالزملاء. فشرف الرجل كما نراه ليس في الرأس والقلب والضمير. بل شرف الرجل في مفهمونا، وبالتحديد، بين فخذي امرأة، لا في خلفية رجل أو فتى.
أليس من المخجل أن يكون شرف الرجل بين فخذي امرأة؟ أليس من المعيب أن تكون هذه المرأة التي نؤكد دائما، بمناسبة وبدون مناسبة، أن الشيطان يأتينا على صورتها، وأنها من أكثر أهل النار، وأنها ضعيفة، قليلة الخبرة والمعرفة، ناقصة العقل والدين. أن تكون هذه المرأة هي المكلفة بحماية وصيانة شرف الرجل، والدفاع عنه؟
إن مناسبة هذا الحديث، هو الخبر الذي تناقلته المواقع الإلكترونية، ومنها العربية، من أن شابا أردنيا قتل شقيقه طعنا متتاليا بالسكين، بعد اكتشافه أن هذا الأخ الشقيق، قد اغتصب شقيقتهما وفض عذريتها، مما استدعى أن يعيدها عريسها ليلة الزفاف إلى أهلها، لاكتشافه أنها غير عذراء.
إن أكثر حالات الاغتصاب التي تتعرض لها المرأة والفتاة تتم في المنزل، لا خارجه. ومن قبل الأهل أو الأقرباء والمحارم. وتكون الفتاة في هذه الحالة، كبالع الموسى على الحدين. فلا هي إن تكلمت ترتاح، ولا إن سكتت ترتاح. وحاليا على المواقع الإلكترونية خبر لحالة اغتصاب تعرضت لها طفلة في التاسعة من عمرها، من قبل جدها. ويكاد لا يخلو سجن من أخ اغتصب أخته، أو أب اغتصب ابنته، أو عم أو خال اغتصب ابنة شقيقه أو ابنة شقيقته. وهؤلاء الذين في السجون هم فقط من تم الإبلاغ عنهم، واكتشاف جرائمهم، أما المخفي، ومن تم التستر عليهم، فأظنه أكثر وأعظم. وقد سبق لي أن قرأت تبريرا لرجل اغتصب ابنته لعدة سنوات، وكان يوصف هذا الرجل في حيه وبين معارفه بأنه تقي وقور. وقد برر هذا الرجل فعلته، بالقول: إنه غرس شجرة مثمرة، وسقاها، ورعاها، حتى نمت وكبرت وأثمرت، وهو أحق بثمارها من الغريب الذي لم يتعب بها. 
إن العواطف التي تجيش في صدر الرجل، تجيش في صدر الفتاة. وعندما يقيم شاب علاقة، فإنه يقيمها- ما عدا المثليين- مع فتاة. وحين تُكتشف تلك العلاقة في مجتمعاتنا، يفر الرجل بجلده، وربما يفرح به أهله لفحولته ورجولته. وتُحاسب وتُعاقب الفتاة.! فما هو مسموح له، ممنوع عليها. وما هو حق له، ليس حقا لها. وكأن المشاعر والأحاسيس وقفا على الفتى دون الفتاة.
الاغتصاب جريمة شنعاء في كل المجتمعات والقوانين والأعراف. وآثاره مريرة على الفتاة مهما كان لونها ودينها وانتماءها. ولكن من المجتمعات من تتفهم أن الفتاة المغتصبة ضحية لا ذنب لها، وأن الذنب كل الذنب على من اغتصبها. فتتعاطف معها، وتساعدها على تجاوز محنتها، والالتفات إلى مستقبلها.
ومن المجتمعات من- إذا ما أبقت على الفتاة حية- من تعيب عليها وعلى أهلها، وتتهمها بأنها أغوت مغتصبيها، أو سهلت الأمر عليهم. وتعاملها على أنها نفاية، أو سلعة رخيصة مبتذلة، يطمع ويتحرش الأوباش بها. فتزيد من مأساتها، وتسود عيشها، وتدمر مستقبلها وحياتها، وحياة أهلها وأشقائها وشقيقاتها وأقربائها.
إن بعض حالات الاغتصاب للمرأة- وإن تكن نادرة كما في مسلسل الحصرم الشامي- تتم على مرأى من الزوج أو الأهل الذين يغمضون أعينهم ألماً، دون أن يستطيعوا حمايتها والدفاع عنها. وبدلا من أن يرأفوا بحالها ويواسوها في مصابها، ويساعدوها على تجاوز مأساتها. يعمد الزوج (غسلا للعار!) إلى تطليقها، والأهل إلى قتلها.! وتنطلق الزغاريد، فيستردون شرفهم الذي ضاع، ورجولتهم التي أثناء المحنة فقدوها.
ليس الاغتصاب وقفا على الفتاة فقط. بل إنه يقع على الفتيان أيضا. لكن الصبي المغتصب لا ينبذونه أو يقتلونه، كما ينبذون أو يقتلون الفتاة المغتصبة، بل يتستر أهله عليه، ويدللونه، ويساعدونه على تخطى محنته ومأساته، ونسيان ما حدث له، وما ألمّ به. وحتى المجتمع حين يدري باغتصاب الفتى، يشفق عليه، ويتعاطف معه، ويجد العذر له. أوليسَ اغتصاب الفتى انتهاك للعرض وتلويث للشرف، كاغتصاب الفتاة؟ أم أن الفتى لا يُعاب مهما جرى ومهما حدث؟
لا أظن أن الحديث عن التربية، ومسببات الكبت، وعن أهمية الاختلاط في المدارس الابتدائية والجامعات، وعدم العزل بين الأشقاء والشقيقات والأقرباء والقريبات، سيكون حديثا مجديا أو مقبولا لدى بعض الناس. وكنت قد قرأت عن رجل- أصلحه وأصلحنا الله- في إحدى القبائل والمجتمعات، طرد ولده وتبرأ منه- تماشيا مع سياسة سد الذرائع، وخوفا مما قد لا تحمد عقباه- لأنه ضبطه يتناول طعام الغداء مع أمه وشقيقاته في غيابه. ومما لا شك فيه أن مضاعفات الكبت، وآثاره المدمرة على الفرد والمجتمع، هي السبب في وجود زواج المتعة، وزواج الفرند، وزواج المسيار.
Saadkhalil1@hotmail.com
 أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه

رد واحد to “قرأت لك..”

  1. tamer Says:

    اه…..هاذا الذي يدعي انه مدير للشرطة والذي قال بصوت ماكر و خبيث ان الذين يسميهم بالاطباء النفسانيين شخصوا المشكل في بريان انه مشكل عاطفي اولا ادري ما اسميه حيث امر بالمصاهرة بين الطرفين لحل النزاع وكل مالكي يتزوج اباضية له سكن اوالعكس………….. سيدي المحافظ شكرا لنصيحتك وارجوا ان تحتفظ برايك لاننا شعب محافظ لانرضي الهوان لا انت ولا غيرك يستطيع تهديم ما بنيناه وبدوري انصحك بان هناك امور كثيرة تستطيع ان تشغلك عنا والسلام

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

%d bloggers like this: