مقال نُشر في جريدة الخبر الأسبوعي: صفحة 10 ,11 elkabar hebdo
بعد فرحة الانتصار الجزائري الباهر وبعد أسابيع من شد وحرق الأعصاب ونحن نتابع تداعيات مباراة الجزائر ومصر في أم درمان، وبعيدا عن لغة التحريض والتهييج الإعلامي في الصحف والفضائيات، ارتأيتُ أن أكتب عن الدروس والعبَر التي يمكننا أن نستخلصها من تلك المعركة. فصلتُ التيار الكهربائي عن جهاز التلفزيون وشمّعتُ الكومبيوتر وأغلقت هاتفي النقال لأكتب. لكنني لم استطع فجمعتُ بعضي متجها إلى أقرب حديقة عامة. وجدتُ العشب الأخضر متجمدا بفعل برودة شتاء لندن وقُلتُ لا بأس، فلا يمكن استجماع الأفكار وتحريرها ولا يمكن السيطرة على العواطف سوى في هذا الجو المُثلج الهادئ الذي لا يكسر صمته سوى أصوات الطيور الجميلة التي تأكل مما جاد به كبار السن من بقايا الأكل في الحديقة.
· الشعب الجزائري أثبت في أم درمان وفي كل بقعة من هذا العالم، بأن قيادته السياسية إن اقتربت منه مترا سافر من أجلها آلاف الأميال. وإن انتصرت لكرامته، وضعها فوق كل الاعتبارات. ماحدث هناك أثبت للعالم أجمع بأن الجزائري ناضجٌ سياسيا وواع ثقافيا لكنه لم يجد من يؤطر وينمي فيه تلك الروح الوطنية. فالجماهير التي خرجت بالملايين في كل العالم انتفضت وهتفت لشيء واحد، ألا وهو حب الجزائر. هذه الجماهير لم تستطع أن تُحركها لا الحملات الانتخابية ولا الدعايات المُسيّسَة رغم حشد كل الوسائل والإمكانات. وبرهنت على أن النزعات الجهوية الضيقة ليست أصيلة في طبعه بقدر ماهي إفرازات ظرفية لوهَن السلطة المركزية. وأن الالتحام الذي أظهره الشعب عند انطلاقة الثورة التحريرية تضاعف بشكل كبير في جزائر القرن الواحد والعشرين.
· انتصار القيادة السياسية لمشاعر الجزائريين كان قرارا ارتجاليا محضا. ومساندةُ المنتخب الوطني بحشد تلك الطاقات لم يعدو أن يكون قرارا سياسيا فرديا لرئيس الجمهورية، وإن كنا نثمّن هذا القرار فإننا ندعو إلى أن يتحول إلى عمل مؤسساتي تنتهجه الدولة الجزائرية، ولا يقتصر على الرياضة فحسب. بل ينبغي أن يشمل ميادين العلم والمعرفة والثقافة والإعلام. وعلى الدولة الجزائرية أن تتبنى كل الكفاءات الجزائرية في أي بقعة من العالم. وترعاها وتوجه طاقاتها لخدمة الجزائر الدولة، شعبا وقيادة. أقول جيدا، شعبا وقيادة وليس عُصبا سياسية تتناحر على الغنائم والمصالح الضيقة.
· ردة فعل الإعلاميين والمثقفين الجزائريين على ماحدث. أثبت بأن ابن الجزائر مهما كان بعيدا عن الوطن جغرافيا فإنه لامحالة سيستجيب لنداء الجزائر إن شعر بعض أبنائها بالإهانة. فمن دول الخليج العربية إلى أوروبا إلى الأمريكيتين. تكتل الجزائريون وتوحدوا تحت سماء الجزائر واستطاعوا أن ينقلوا وقائع القاهرة وأم درمان إلى وسائل الإعلام والرأي العام العالمي بدقة واحترافية لتحقق الجزائر نصرا إعلاميا كبيرا على المصريين بالرغم من الوسائل الضخمة التي يمتلكونها. مرة أخرى أعود وأقول إنه عمل رائع، لكنه تميّز أيضا بالارتجال وغياب التنسيق المحترف. ومن هنا أدعو الجميع إلى التكتل في جمعيات ومنظمات لرسم خطة استراتيجية للعمل بها مستقبلا. وهذا يقودني إلى الحديث عن حاجة الجزائر إلى فتح المجال السمعي البصري.
· بعد كل أزمة نمّر بها وفي كل معركة إعلامية، تتبين لنا الحاجة الملحة إلى وضع استراتيجية إعلامية جديدة. فسلاح الإعلام وضع دولا على الخريطة وأغرق دولا أخرى في الفوضى وانتصر لأفكار وإيديولوجيات وهزم أخرى. كنت قد نقلتُ هذه الرغبة إلى الرئيس شخصيا في إحدى مقابلاتي الصحافية. لكنه اعتبر أن تعدد الإعلام المحلي من شأنه أن يُهدد أمن واستقرار الجزائر. لم أقتنع بهذا الرد ولا زلتُ أطالب رئيس الدولة بإعادة النظر في هذه المسألة الحساسة. فنحن نملك كل الوسائل من أموال وموارد بشرية والموقع الاستراتيجي والمكانة العالمية.
· هذا يقودني إلى الحديث عن صورة الجزائري في العالم العربي الملتصقة بالعصبية والعنف، فهذه الصورة رسمها إعلامهم ولا يمسحها سوى تعدد فضائياتنا. فالإعلام العربي رسم صورة وردية عن شعوب عربية خاضت حروبا أهلية ضروس سُحلت فيها الجثث وأحرقت، في حين يصوّر الجزائري بهذه العصبية. رغم أنه ليس هو الذي يقف وراء تفريخ جماعات الهجرة والتكفير ولم يذبح الفنانة اللبنانية سوزان تميم من الوريد إلى الوريد، ولم يقتل الفنانة التونسية ذكرى، ولم يذبح ابنة الفنانة المغربية ليلى غفران.
· بعد أم درمان، انتشى الجزائري للنصر، وفي خضم هذه النشوة تحرر من العُقد وعاد إلى طبعه، أصبح الجزائري يتحدث في نشرات الأخبار الرئيسية (المعربة) بالأمازيغية، ولم يتعرض لمقص الرقيب كما أن المشاهد لم يحتج على هذا. لماذا؟ لأن الجزائري مسالم بطبعه وتحت سقف الوطنية ينصهر في إسلامه وأمازيغيته وعروبته و إفريقيته، وأثبت الجزائري بكل عفوية بأنه لا يستطيع التعبير الصادق سوى بلغته الأصلية أي الأمازيغية أو العامية الجزائرية. إلى جانب هذا فقد وقفت الملايين مُستقبلةً المنتخب الوطني في العاصمة وملايين أخرى خرجت إلى المدن والقرى الجزائرية. واحتفل الشاب الجزائري جنبا إلى جنب مع أخته الجزائرية المحجبة وغير المحجبة في ساحة أول ماي وساحة الشهداء. وأعطى صورة رائعة للعالم وأثبت بأن طلْبنة (طالبان) مجتمعه سياسةٌ دخيلة فُرضت عليه فرضا، وأثبت الشاب الجزائري بأنه يقدس جميلة بوحيرد وحسيبة بن بوعلي ولا يفرق بين تضحياتها وتضحيات إخوانها من الرجال والنصر صنعه ويصنعه الجزائريون بكافة شرائحهم. أما الفريق الوطني فقد أعطى بدوره الصورة الواقعية عن تنوع فسيفساء المجتمع الجزائري دون الروتوشات السياسية والأيديولوجية. فالملتحي والملتزم من أعضائه تعانق وذرف دموع الفرحة مع الحليق والمودرن، واحتفلوا جميعا تحت ألوان العلم الوطني.
· الشباب الجزائري بعد أم درمان بعث برسالة قوية إلى قيادته السياسية وإلى القيادات السياسية في الدول العربية، مفادها: إن الحديث عن القومية والعروبة والحرب والعبور، هي قصص من الماضي، يحاول المغرضون تسويقها لفرض الهيمنة الثقافية وبالتالي السياسية والاقتصادية على الجزائر. فالشباب الذي وُلد في الثمانينات والتسعينات يملك ثقافة وطموحا غير الذي يُسوقُ له. الشاب الجزائري أو التونسي والمغربي. شاب مسلم يحترم المقدسات الإسلامية كعقيدة ومعاملات. أما أن يُصدّر له الإسلام في حزمة، نسبة عشرة في المئة منها عقيدة وتسعون في المئة تطاحنات سياسية فإنه يرفض هذا الإسلام الذي تسبب في حصد أرواح ربع مليون جزائري. أما عن العروبة فإن له الحق بأن يأخذها بالطريقة التي يريدها ويراها متناسبة مع خدمة مصلحته الوطنية. ثم إن هذه الإيديولوجيا لم تجد لها منفذا لا في تركيا ولا في إيران المسلمتين، لأن شعوبها متمسكة بحضارتها وهويتها الوطنية. أما الحديث عن وحدة الدول الأوروبية فهذا من باب المغالطة لأن الدول الأوروبية توحدت بعد أن رسخت هوياتها الوطنية والقومية ثم توحدت اقتصاديا تحت شروط تضمن لها سيادتها الداخلية.
· أم درمان وضعت بالصوت والصورة مصر في حجمها الحقيقي. فلا السودانيون وقفوا مع أم الدنيا (لاأعلم مصدر هذه التسمية) ولا الفلسطينيون ولا السوريون ولا اليمنيون ولا شعوب شمال إفريقيا ومثلهم كثيرون وقفوا معها. وذلك لأنهم اكتووا من نار النظام المصري. كما أن ماحدث قد فتح أعين الجزائريين على أن كل الدول والشعوب في العالم تبحث عن مصالحها. أما الحديث عن الأخوة والصداقة فماهو إلا مقدمات لنحر الجزائريين. فعلى الشاب الجزائري أن يبحث عن مصلحته ومصلحة الجزائر، أولا وثانيا وعاشرا وألفا، ثم بعد ذلك يمكنه أن يتحدث عن الأخوة والصداقة.
· الأحداث الأخيرة، أثبتت بأن الغالبية العظمى من المصريين في النظام أو في المعارضة سواء الإسلامية أو العلمانية وقفت مع نظام آل مبارك رغم اختلافها الجوهري معه ورغم إدراكها العميق بتزويره للحقائق. وركب السواد الأعظم الموجة الجماهيرية، وهذا درس قاس للمعارضة الجزائرية وخصوصا للذين يتلقون أوامرهم من وراء الحدود ويستمدون شرعيتهم من زعامات وهمية تتخذ من الدين مطية للوصول إلى السلطة.
أخيرا، يا شباب الجزائر، بلادنا جميلة فلا تحرقوها، ومصلحتنا جميعا في مصلحة تقدم بلادنا ورقيّها. وياقادة الجزائر، إن منظمة الشفافية الدولية، قد صنفتكم مع مصر -يوم الانتصار في الخرطوم- في المرتبة المئة وأحد عشر من بين مئة وثمانين دولة في سلّم الفساد لهذا العام، أيُشرفكم تقاسم هذه المرتبة مع مصر؟ وهلا عرفتم ضعف استراتيجيتكم وتوهان بوصلتكم بعد كل العار الذي لحقكم من فضائيات العار؟ التي صدّرت إلينا الإرهاب والعهر وكل السموم. انظروا حواليكم. أوروبا على مشارفكم، مهد الحضارة العالمية منذ أربعمئة عام. علموا شبابكم كيف يستفيد من مؤسسات أوروبا الديموقراطية وقيمها العالمية. لو فعلتم هذا، فإننا سننتصر في الجولات القادمة لا محالة. ولن يخسر الشعب شيئا إذا كان يتقن لغته ويتحدث لغة شكسبير ويتذوق موسيقى موتزارت ويتفنن في الطبخ الإيطالي. ارموا عنكم وعن شعبكم، العفن.


