عَلَم في كل بيت

By sbous

 

عَلمٌ في كل بيت
سليمان بوصوفة

2008/06/18

هذا المقال نُشر في جريدة القدس العربي

 

http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=search&fyear=2008&txtSearchText=سليمان%20بوصوفة

 

 

تحت هذا الشعار تقوم السلطات الجزائرية بحملة ضخمة لتوزيع خمسة ملايين عَلم علي الجزائريين في بيوتهم.
واعجباه! الآن وبعد ستة وأربعين سنة من الاستقلال عن فرنسا (05 تموز/يوليو 1962) اكتشف المسؤولون أن الجزائري ليس وطنيا بما فيه الكفاية لذلك وجب تحسيسه بقيمة حب العلَم. أقول حبّ العَلَم وليس حب الوطن لأن السلطات لم تفهم بعد أو تتظاهر بعدم الفهم بأن الجزائري يحبّ وطنه بالسليقة حتي وان وُلد خارج الجزائر. فالمشجعون الذين تهافتوا علي الملاعب السويسرية لمناصرة الفريق الفرنسي في مباريات (يورو2008) حملوا الأعلام الجزائرية جنبا الي جنب مع الأعلام الفرنسية، وهؤلاء وُلدوا وترعرعوا في فرنسا لكنهم لم يتنكّروا لبلد آبائهم وأجدادهم. ولنا في اللاعب زين الدين زيدان أحسن مثَل، فرغم انتصاراته التي لم يكن ليُحققها لولا الامكانيات التي وفرتها له فرنسا الا أنه لم يُفوت ولو فرصة واحدة ليعبّر عن حبه العميق وتعلّقه ببلد آبائه وأجداده.
من سخرية الأقدار أن السلطة وبهذا الاجراء اعترفت من حيث لا تدري بالقطيعة الحاصلة بينها وبين الشعب، وأن البضاعة التي كثيرا ما خدّرت بها الجماهير أصبحت كاسدة ولم تعُد صالحة للاستهلاك في القرن الواحد والعشرين. بضاعة الثورة والثوابت والسيادة والعدو المشترك وما يدخل في سياق هذه الشعارات الجوفاء التي أخّرت التنمية وأفلست البلد وأدخلته في دوامة المتاهات السياسية التي لا تنتهي.
جيل الجياع الجديد من الجزائريين لم يُعايش لا الثورة ولا الاستقلال ولا ديكتاتورية بومدين ولا انفتاح الشاذلي، جيلٌ وُلد في عمق الأزمة (90 ـ 1991) وقد بلغ سن الثمانية عشرة ليجد نفسه يحصد الشوك الذي لم يزرعه! وجد ارهابا يوميا يحصد أرواح الجزائريين وسرقات روتينية لمصارف وبنوك بلده. ووجد مسؤولين منتفخي البطون مزدوجي الجنسية (جزائرية ـ فرنسية) أبناؤهم يدرسون ويعالجون ويستريحون في فرنسا، لسانهم ينطق بكل لغات العالم الا العربية، يمارسون الخطايا ولا يُحاسبون، يتعاطون المخدرات ولا يُسجنون. أكلهم وركوبهم وتعليمهم بالفرنسية. بيوتهم محمياتٌ عسكرية تتكاثر علي أبهي الشواطئ الجزائرية (نادي الصنوبر). حفلاتهم وأعيادهم تختلف عن المناسبات والأعياد الجزائرية، صحيح أنهم يحتفلون بعيد الاستقلال في شهر تموز (يوليو) الا أنهم يؤجلونه من الخامس الي الرابع عشر (عيد استقلال فرنسا) وفي آخر السنة ينزل عليهم (بابانويل) بهدايا الشانزيليزيه.
جيل الجياع الجديد قضي معظم حياته يقرأ عن الثورة وعن أمجادها لكنه لم يفهم: لماذا لا تحمل النقود الجزائرية صور عظمائها من الثوار كباقي الدول في العالم؟ وتحمل صورا لحيوانات؟ هذا الجيل تعلّم بأن الشهيد عبان رمضان هو مهندس تلك الثورة العظيمة لكن زملاءه تآمروا عليه فاغتالوه، كما اغتالوا المجاهد كريم بلقاسم والرئيس الأسبق محمد بوضياف. ألم يحن الأوان لاعادة كتابة تاريخ الثورة الجزائرية؟
هذا الجيل تعلّم بأن النشيد الرسمي (قسما) من أعظم الأناشيد الرسمية التي كُتبت ورددها المصريون والفلسطينيون والعراقيون في المدارس قبل الجزائريين، لكنهم يتساءلون: لماذا قام الرئيس الأسبق (بومدين) بنفي كاتبه، الشاعر مفدي زكرياء الي تونس حتي وافته المنية ليُصلّي عليه خمسة رجال فقط وكأنه خائن لوطنه؟ هذا الجيل يتساءل: لماذا تحذف وزارة التربية هذا المقطع من النشيد من المقررات الدراسية:
يا فرنسا قد مضي وقت العتاب ***فاستعدي وخذي منا الجواب
حقيقة أشعر بالغثيان عندما أكتب عن هذا الموضوع، سلطةٌ فقدت كل مبررات وجودها وتحاول أن تستعمل صورة العلَم الجزائري الذي سقاه المجاهدون بدمائهم وتستغلّه من أجل أغراض سياسية ومصالح آنية وليذهب الوطن والدولة والشعب الي الجحيم.
ان السلطة في الجزائر تعيش مأزقا حقيقيا، سلطةٌ تشاهد يوميا مسلسل انتحار شبابها في الجبال وفي البحار ولا تُحرك ساكنا. بل وتتمادي في تسلّطها وفي ارتكاب المزيد من الخطايا. واقع الجزائريين اليوم أشبه بمعاناة السوفييت في عهد ستالين. السلطة قمعت المعارضة الفكرية والسياسية وغيّبت مؤسسات المجتمع المدني ودجّنت الصحافة والأحزاب وأصبحت هي المخطط والمقرر والمنفّذ والمعارض، ما أدي الي غياب الرقابة والمحاسبة والي سحق الطبقة الوسطي. السلطة فشلت علي مدي أربعة عقود في تحقيق التنمية وانعاش الاقتصاد، فشلت عندما كانت أسعار البترول عشرين دولارا، وضاعفت فشلها والبرميل من النفط يلامس سقف المئة والخمسين دولارا.
الجزائر لا تحتاج الي عَلَم في كل بيت بل تحتاج الي عودة خمسة ملايين من مواطنيها المُشردين عبر القارات الخمس. تحتاج الي علمائها ومفكريها ونُقادها، أمثال المفكر محمد أركون الذي تستفيد منه الجامعات الفرنسية والدولية باستثناء جامعات الجزائر. انها تحتاج الي خبرة مستشاريها السياسيين والاقتصاديين الذين تمتص طاقاتهم الأمم المتحدة والدول الكبري. وتحتاج الي مثقفيها وصحافييها الموزعين علي المراكز الثقافية والاعلامية العربية والأجنبية. تحتاج الي ملياراتها المُهربة الي موناكو وسويسرا وفرنسا ومايوركا وجزر الوقواق. تحتاج الي أطبائها وجراحيها الذين تستغلهم أشهر المستشفيات الفرنسية والغربية والي طياريها الذين يقودون طائرات دول الخليج.
يعتصر قلبي ألما عندما أصادف العشرات بل المئات من خريجي جامعاتنا يكنسون طرقات وشوارع لندن ويغسلون صحون مطاعمها، فيما يجلس التافهون والسفهاء في مكاتب وزاراتنا وجامعاتنا واداراتنا. فالجزائر اليوم لا تطمح بأن تصل درجة تقدم الدول الأوروبية بل هي بعيدة حتي عن مستوي بعض الدول الافريقية التي نجحت في ترسيخ الديمقراطية مثل غانا.
ان تحقيق التنمية لا يحتاج الي تغليفها بشعارات جوفاء، التنمية تحتاج الي الكفاءة والنزاهة والي رجال الدولة، وطموحات جيل الجياع بسيطة جدا لا تتعدي الوظيفة المحترمة والمسكن المُريح والمستقبل الآمن. وقبل أن تطالب السلطة فرنسا بالاعتراف بجرائمها الاستعمارية علينا نحن الجزائريين أن نعترف بالجرائم التي اقترفناها في حق بعضنا البعض حتي نتمكن من طي صفحة الماضي وننطلق نحو المستقبل الواعد.
ان الحاجة الآن مُلحة لبناء الجمهورية الجزائرية الثانية وان العلم الجزائري في كل قلب وليس في كل بيت، وكفاكم تهريجا.

 

الأوسمة:

2 تعليقات إلى “عَلَم في كل بيت”

  1. بلادي و إن جارت ....... يقول:

    و عقدنا العزم أن تخلى الجزائر ,,,,,,,,

  2. صالح يقول:

    يعطيك الصحة راك قلت الي واحد ماقدر اقولوا………بردلي قلبي فيهم

اترك رد