المصداقية المضروبة
By sbous
|
المصداقية المضروبة
سليمان بوصوفه
12-06-2008
|
|
هذا المقال نشرته جريدة القدس العربي :
http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=search&fyear=2008&txtSearchText=سليمان%20بوصوفة
مع سحب السلطات الجزائرية اعتماد مراسليْ وكالتيْ رويترز والأنباء الفرنسية تحولت الساحة الإعلامية الداخلية إلي مرتع لوسائل الإعلام الرسمية المنبطحة إلا ممّن رحم ربك. سبب استدعاء السلطات للمراسليْن وسحب اعتمادهما يرجع إلي الخبر الأمني الذي نقله مراسل رويترز وتلقّفتْه وكالة الأنباء الفرنسية حول مقتل عشرين شخصا جراء انفجار قنبلة في محطة الحافلات في منطقة (الرويبة) شرقي العاصمة. وبالرغم من أن الخبر لم يكن صحيحا فإن التلفزيونات العربية والأجنبية جعلت منه مادة دسمة في نشرات الأخبار الرئيسة وأشبعتْه تحليلا. ولم تهتمّ بالنفي الذي كرره التلفزيون الرسمي ووكالة الأنباء الجزائرية.
كعادتها شنّت الحكومة الجزائرية وأبواقها حربا كلامية شعواء علي بقية العالم! ووصفت الأنباء المتداولة حول تدهور الحالة الأمنية، بالمُغرضة التي تقف وراءها أياد خارجية لا تريد الخير للجزائر.
مراسل وكالة (رويترز) في الجزائر الزميل (لمين شيخي) وهو من ألمع الصحافيين الجزائريين وأكثرهم خبرة خصوصا في التعامل مع الخبر الأمني، يتحمل بالتأكيد مسؤولية هذا الخطأ المهني إلا أن قراءة متأنية للحدث تقود إلي استنتاجات أخري تتعدي الهفوة الإعلامية التي ارتكبها المراسل.
من المعلوم أن الأخبار الأمنية في الجزائر تتكتّم عليها السلطات وتُسربها حسب مقتضيات مصالحها. ولا يمكن لمراسل يعمل في الداخل أن ينشر خبرا أمنيا بهذه الخطورة من وحي خياله أو بمجرد اعتماده علي مصادر هشّة وبعيدة عن مراكز اتخاذ وصنع القرار.
المراقبون والصحافيون في كواليس غرف تحرير الأخبار في الجزائر وفي وصفهم لما حدث، يرددون عبارة واحدة: لقد استعملوه.. بمعني أن أجنحةً مُعينة داخل النظام كثيرا ما اعتمد عليها المراسل في استقاء أخباره حتي صارت محل ثقة، سرّبت له هذا الخبر لغرض مُبيّت.
ما المصلحة في ذلك؟ طبعا هناك أجنحة داخل السلطة تعارض تمديد عهدة الرئيس الحالي فترة خمس سنوات قادمة. وإذا كان الرئيس يفتخر بما أنجزه في ما يسمي بالمصالحة الوطنية و عودة بعض الاستقرار ويجد في ذلك سندا شعبيا يُبقيه في الحكم، فإن أطرافا أخري تحاول خلط الأوراق وإعطاء صورة ضبابية للوضع. وهناك دلائل كثيرة تشير إلي أن مسألة تمديد فترة الرئيس لاتزال محل تجاذبات بين أجنحة السلطة، فالحملة الإعلامية المساندة لترشح الرئيس خفتت في الشهرين الأخيرين ومسألة تعديل الدستور بقيت حبيسة أدراج الرئاسة. إضافة إلي أن اوساطا إعلامية بدأت تُسرّب أخبارا عن عودة رئيس الحكومة السابق أحمد أويحيي إلي رئاسة الحكومة وأن مسألة تمثيله للرئيس في الملتقيات الدولية ماهي إلا مقدمات لذلك.
أعود إلي الصحافة الجزائرية التي شبعت ركلا ورفسا وتدجينا في السنوات الأخيرة وإلي الصحافيين الذين أُشبعوا بهدلةً وتهديدا.
فبسحب اعتماد رخصة عمل رويترز والفرنسية ورفض اعتماد مكتب الجزيرة تكون الساحة قد عادت إلي سنوات النظام الاشتراكي القمعي حيث الحزب الواحد والتلفزيون الواحد. هذا إذا علمنا بأن أي تقرير يُنجزه من تبقّي من مراسلي التلفزيونات العربية يجب أن يمر عبر التلفزيون الحكومي وهذا ما يفرض رقابة ذاتية علي المراسلين، كما أن الأستوديو الوحيد الذي يُسمح للضيوف باستخدامه للظهور في الفضائيات هو استوديو التلفزيون الحكومي وكثيرا ما تعرّض ضيوف غير مرغوب فيهم إلي المنع بحجج واهية وهذا ما جعل الكثير من المثقفين والمعارضين يسافرون إلي الرباط والدوحة أو باريس ولندن ليتنفسوا قليلا ثم يعودون إلي غرفة كتم الأنفاس.
ما يجب أن يدركه النظام هو أن سياسة سحب الاعتماد وغلق المكاتب والتحرّش بالصحافيين ووصفهم بالإرهابيين والخونة والمرتزقة، هذه السياسة يمكن أن تنجح قبل انتشار الفضائيات والأنترنت والهواتف النقالة التي تنقل الأحداث بالصوت والصورة. فأحداث الشغب في بريان والشلف ووهران لم يبثها التلفزيون الرسمي وقد تابعها الجزائريون عبر موقع اليوتيوب وبالتفصيل المُمل، والخبراء الاستراتيجيون يتحدثون عن مستقبل قريب يتحكم فيه رؤساء وسائل الإعلام وهواة اليوتيوب والفايس بوك في مقابل انحسار الدولة المركزية.
وهنا نسأل السلطات الجزائرية التي تُنفق مليارات الشعب علي أبواقها الإعلامية: لماذا لم يهتم لا الشعب الجزائري ولا قنوات التلفزيون الأجنبية بالنفي الذي ردده التلفزيون الحكومي ووكالة الأنباء الجزائرية فيما يخص قنبلة (البويرة)؟ إنها المصداقية المضروبة والقطيعة بين الشعب والسلطة، بل القطيعة بين العالم المتحضّر والسلطة التي تحتَضر. |
تم إدخال هذه البيانات في في يونيو 15, 2008 في 4:32 م وهي متضمنة تحت Uncategorized. يمكنك متابعة الردود على هذه التدوينة من خلال الخلاصات 2.0
You can leave a response, or trackback from your own site.